لو كانت الغوطة الشرقيّة دولة فإنّها ستكون بحجم دولة «مالطا» أو دولة «جزر المالديف» حيث عدد سكّان الأولى 430 ألفًا بينما عدد سكّان الثانية 340 ألفًا. أمّا من حيث المساحة لا يمكن التخمين لأنّ المساحة متغيّرة على الدوام بسبب الكرّ والفرّ بين فصائل المعارضة المسلّحة وفصائل النظام السوري.

وبما أنّ حصار الغوطة قد قارب نصف مدّة حصار غزّة، فإنّ ظروفهما المعيشيّة – فيما عدا القصف الجويّ المستمرّ 24/7 – ستكون متشابهة من حيث تعايش الناس مع الحصار وكأنّه أمرٌ طبيعي شأنهم في ذلك شأن كلّ السوريين الذين عاشوا أربعين عامًا في سوريا تحت حالة الطوارئ، حتّى باتت الحالة الاعتياديّة لهم، بل إنّ السوري الذي يسافر خارج سوريا ويمرّ بقرب مركز شرطة في تلك الدولة يكاد يقف قلبه في حالةٍ لا إراديّة سببها الخوف الأوتوماتيكي الذي أصبح يورّث عبر الجينات للأجيال اللاحقة، ويستغرب كون الشرطي هناك لم يستدعه ويركله أو يسبّه.

تؤمّن الغوطة احتياجاتها المعيشيّة اليوميّة عبر المهرّبين الذين يستطيعون التعامل مع أيّة جهة في كلّ مكانٍ وزمان، فهؤلاء – المهرّبين – يستطيعون التجوّل بحرّيّة في كلّ جزءٍ من سوريا مهما كانت الدولة أو الفصيل العسكري المسيطر في ذاك الجزء بدءًا من داعش وانتهاءً بالنظام، وهذا من الأمور الثابتة في مثل هذه الحروب، والطريف أنّ هؤلاء هم من يُعتمَد عليهم فيما بعد عند فضّ النزاعات المسلّحة في لمّ شمل الأطراف المتناحرة، فهم كما أسلفنا الوحيدون الذين يملكون علاقات طيّبة مع جميع الأطراف.

المهرّبون لا يهمّهم أيّة أجندات ولا تربطهم أيّة عواطف بأيّ فريق من الفرق المتصارعة، حليفهم الوحيد والأبديّ هو المال، والمال هو الشيء المشترك بين كلّ الأطراف، جميع الأطراف قادرون على دفع المال، قد تكون هناك صعوبة في تأمين المال، إذًا دعنا نسهّل الأمر على الناس ونخلق عملًا جديدًا أي ربحًا جديدًا لنا، هكذا لسان حال المهرّبين.

أمّا عمليًّا فإنّ الموادّ الغذائيّة وغيرها من ضروريّات الحياة فإنّها تدخل عبر أنفاق تحت الأرض أو فوق الأرض وبكلّ الأحوال بعد دفع الجمارك لحواجز النظام، ممّا يرفع من الأسعار داخل الغوطة بشكل كبير، والأموال تأتي عبر التحويلات الماليّة التي يقتطع منها التجّار نفسهم نسبًا مرتفعة لأنّهم الوحيدون الذين يستطيعون المرور عبر حواجز النظام ومعهم أكياس الدولارات، وربّما لا يخرجون المال من الغوطة بل يدور دورته بين مكاتب التحويل والمتاجر ولا يمكث بأيدي عموم الناس إلا قليلًا.

لو كان استهلاك كلّ فردٍ في الغوطة رغيف خبزٍ واحدٍ يوميًّا فإنّ مجموع احتياجات الغوطة اليوميّة من الحبوب 80 طنًّا، وحساب استهلاك الحبوب من الأمور السهلة، أمّا بقيّة الموادّ فسنقارن احتياجات الغوطة باحتياجات المالديف ومالطا.

استهلاك مالطا من البترول يوميًا 47 ألف برميل، هذا لا يعني أنّ كلّ مواطن يستهلك 25 لترًا بشكل مستقلّ، فهذه دولة وفيها مواصلات ومحطّات طاقة ومعامل وسيّارات رئاسيّة..إلخ. لكن مع ذلك لو عدنا إلى الغوطة، صحيح أنّ الناس لا تتنقّل كثيرًا فلا يستهلكون وقودًا لمركباتهم، لكنّهم يستخدمون الوقود لتوليد الكهرباء بالمولّدات المحلّيّة، والوقود لتشغيل أفران الخبز، والوقود للطبخ، الخ ففي غياب الكهرباء يصبح الوقود عصب الحياة بدءًا بشحن أجهزة الموبايل وحّتى أجهزة غرف العمليّات في المشافي الميدانيّة.

أمّا الماء فيتراوح بين 33 لترًا في مالطا إلى 42 لترًا في المالديف للشخص في اليوم كمعدّل عامّ، وبنفس طريقة نقاش الوقود نقول، إنّ الفرد لا يشرب ثلاثين أو أربعين لتر ماء في اليوم، لكن يشرب ويغتسل ويغسل ثيابه ويسقى مزروعاته ويعجن خبزه ويطبخ طعامه…إلخ، في الغوطة والحمد لله لا يحتاج الأمر لتهريب الماء لكنّه يحتاج لما هو بنفس درجة الصعوبة وهو حفر الآبار التي تحتاج معدّات ثقيلة ووقود كثير. بالنتيجة فإنّ احتياجات سكّان الغوطة من الماء هي نهرٌ صغير كنهر عفرين أو نهر بردى كاملًا.

وفي أرقام متفرّقة أخرى، تحتاج الغوطة حوالي ألف طبيب، وتحتاج لمئة كفنٍ في يومٍ متوسّط الشدّة وحوالي ربعها للوفيّات الطبيعيّة، وتحتاج شاحنة كاملة من أدوية المضادات الحيويّة للعلاج اليومي العادي وليس لعلاج إصابات الحرب.

أيّها الأخوة، إنّها كدولة صغيرة فلا تستغرب حجم الاحتياجات الكبيرة، هذه الاحتياجات لن تستطيع أكبر جمعيّات العالم الخيريّة تأمينها، فمن يستطيع تأمين 25 مليون دولار يوميًّا؟! فإن كنتَ لا تسطيع المساهمة فلا تقف في طريق أحدٍ أراد المساعدة، لا تكن كالذين وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلّم: (فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى)، وكما يقول التجّار الغيورون على أعمالهم: (إنْ لم يكن لديك عمل فدعنا نعمل)، أي ابتعد عن طريق من يريد العمل والمساعدة فالحِمل ثقيل، وثقيلٌ جدًّا ولا ينقصه طابورٌ خامس.