مهما حاولت الإمارات، وبذلت من مال لشراء الولاءات والنفوذ في العواصم العربية والعواصم العالمية، لفرض نموذجها فلن يؤدي ذلك، على المدى البعيد، سوى إلى مزيد من زعزعة الاستقرار والفوضى التي لن تسلم منها دولة الإمارات.

ما هي الدولة القادرة اليوم على التدخل في شؤون أميركا الداخلية، والتأثير على رئيسها، وتوجيه سياسته الخارجية؟ قد تتبادر إلى الذهن، أولا، روسيا في عهد فلاديمير بوتين التي تلاحقها تهمة التدخل في مسار الانتخابات التي حملت رجلا متقلب المزاج، اسمه دونالد ترامب، إلى رئاسة أكبر قوة عسكرية واقتصادية عالمية. كما قد تخطر على البال دولة الصين التي تتطلع إلى ريادة العالم اقتصاديا في السنوات القليلة المقبلة. وبالنسبة لمن يؤمنون بقوة اللوبي اليهودي في العالم، وفي أميركا تحديدا، سيكون جوابهم، بدون تردّد، هو إسرائيل.
لكن، مهلا، هناك قوة رابعة لم تكن معروفة، سلطت التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص الأميركي، روبرت مولر، في قضية التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الأميركية، الضوء عليها. إنها دولة الإمارات العربية المتحدة. فهي، كما جاء في مقالٍ نشره الأسبوع الجاري موقع ميدل إيست آي، البريطاني، لأندرياس كريغ من كلية كينغز كوليدج في لندن، أصبحت أكثر المؤثرين نفوذاً على سياسة الشرق الأوسط في واشنطن، على قدم المساواة مع منظمة أيباك الصهيونية التي تعتبر أبرز مجموعات الضغط وأقواها في أميركا.
تعود قصة التنامي السري للنفوذ الإماراتي في أميركا إلى عام 2006، عندما اندلع جدل حاد في أميركا بشأن صفقة شراء شركة موانئ دبي ستة من أكبر الموانئ الأميركية، انتهى 
“تريد الإمارات أن تفرض نموذجها الذي يقوم على استبداد سياسي وليبرالية اقتصادية بلا عدالة اجتماعية”

بمعارضة الكونغرس تلك الصفقة وإبطالها، باعتبارها تهديدا للأمن القومي الأميركي. وقد تبين للإماراتيين آنذاك أن من وقف ضد صفقتهم هو اللوبي الصهيوني الذي لعب دورا كبيرا في إفشالها، على الرغم من أن الرئيس الأميركي، جورج بوش، ومعه كبار مسؤولي إدارته، كانوا يؤيدونها. ومنذ ذلك التاريخ، سعت الإمارات إلى “الاستثمار” في تطوير علاقاتها داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، من خلال سحر المال للتأثير على مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة، والإغداق بالتبرعات الخيرية، والإنفاق بسخاء لبناء شبكة علاقات عامة ضخمة لإيجاد جماعات ضغط موالية لها، والتقرّب من دوائر اللوبي الصهيوني في أميركا، لضمان أمانه على الأقل، وليس بالضرورة تأييده.
وفي عهد الرئيس باراك أوباما، ستستغل دبي تراجع النفوذ السعودي في واشنطن وذبوله، وكان يمثله السفير السعودي السابق هناك، الأمير بندر بن سلطان، الذي نجح في “شراء النفوذ” وتلميع صورة بلاده. وساهمت عودة تداول قانون “جاستا” أمام مجلس الشيوخ في تنامي النفوذ الإماراتي على حساب النفوذ السعودي داخل العاصمة الأميركية، وهو القانون الذي طرح أول مرة عام 2009، وأقرّ في نهاية المطاف عام 2016، وأصبح من المقدور بموجبه مقاضاة الدولة السعودية على خلفية هجمات “11 سبتمبر” في العام 2001 في أميركا.
سيتنامى في هذه الفترة نفوذ سفير عربي آخر في واشنطن، هو السفير الإماراتي لدى أميركا، يوسف العتيبة الذي أصبح له نفوذ يضاهي نفوذ السفير السعودي السابق بندر بن سلطان، مع فرق كبير، هو أن نفوذ الأخير داخل واشنطن استغلته الإدارات الأميركية الخمس التي عاصرها، خصوصا إدارتي بوش الأب والابن، لتمرير سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، فيما يبدو حتى الآن أن العتيبة يستعمل نفوذه لتوجيه سياسات أميركا في المنطقة إلى خدمة الأجندة السياسية لبلاده. وقد بدأت ملامح هذا التوجيه تظهر مع اندلاع ثورات الربيع العربي التي لم تخف دولة الإمارات عداءها، ونجحت من خلال نفوذها في واشنطن في إقناع إدارة الرئيس باراك أوباما بعدم التسرع في دعم التغيير الذي كانت تعد به تلك الثورات، وسيتجلى تأثير النفوذ الإماراتي جليا في الموقف السلبي لإدارة أوباما من الانقلاب الذي شهدته مصر صيف 2013، وأدّى إلى إسقاط أول رئيس مدني منتخب في مصر واعتقاله ومحاكمته. ويطرح تغاضي الإدارة الأميركية آنذاك عن الثورات المضادة التي كانت تشهدها أكثر من دولة عربية، بدأت بالاغتيالات السياسية التي عرفتها تونس عام 2013، تساؤلاتٍ كثيرة بشأن الدور الإماراتي في تحييد الموقف الرسمي الأميركي من تلك الثورات المضادة.
وسيبرز تأثير النفوذ الإماراتي في واشنطن مع وصول رئيس يميني محافظ وشعبوي إلى البيت الأبيض، هو دونالد ترامب. وتجلى تأثير هذا النفوذ أكثر مع الأزمة القطرية الخليجية، فقد 

“لا يُمارَس النفوذ الإماراتي داخل أميركا فقط، وإنما بات جليا في سياسة هذه الدولة الصغيرة التي تريد أن تلعب دورا كبيرا في شؤون المنطقة”

كشفت تسريبات نشرتها “بي بي سي” أخيرا عن وجود مساع كانت تستهدف إقالة وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، من منصبه، بعد رفضه دعم المقاطعة التي تقودها الإمارات العربية المتحدة ضد جارتها قطر. وفي أثناء التحقيق الذي تشهده أميركا بشأن احتمال تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية، بدأت تتكشف خيوطٌ وضعت دولة الإمارات في عين العاصفة، وسلطت الضوء على تأثيرها الخفي على إدارة الرئيس ترامب، وخصوصا على سياسته في الشرق الأوسط، وهي، مع الأسف، سياسة عدائية ضد شعوب المنطقة وضد قضاياها القومية والتاريخية.
ولا يُمارَس النفوذ الإماراتي داخل أميركا فقط، وإنما بات جليا في سياسة هذه الدولة الصغيرة التي تريد أن تلعب دورا كبيرا في شؤون المنطقة، وفرض تصورها على دولها، وهو تصور يقوم على دعم الأنظمة السلطوية، وقمع كل حركات التغيير، مع استبعاد أي خطر بحدوث ثورة أو أي نوع من الاحتجاجات مستقبلا. ونجد اليوم آثارا كثيرة لهذه السياسة في الانقلاب الذي شهدته مصر عام 2013، وفي عسكرة الثورة السورية، وتحويلها إلى حرب أهلية مدمرة، وفي الانقسام الذي يمزّق ليبيا، وفي الخراب الذي عمَّ اليمن، وفي العراقيل التي تسعى إلى إفشال نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وفي حالة التخبّط التي تمر منها السعودية، وفي الحصار الذي تشهده قطر.
إننا أمام سياسة دولة “عظمى”، نمت في غفلة منا، وتريد أن تفرض نموذجها الذي يقوم على استبداد سياسي وليبرالية اقتصادية بلا عدالة اجتماعية، وهو النموذج نفسه الذي خرجت الشعوب في أكثر من دولة عربية عام 2011 تحتج ضده، وتطالب بإسقاطه. ومهما حاولت الإمارات، وبذلت من مال لشراء الولاءات والنفوذ في العواصم العربية والعواصم العالمية، لفرض نموذجها فلن يؤدي ذلك، على المدى البعيد، سوى إلى مزيد من زعزعة الاستقرار والفوضى التي لن تسلم منها دولة الإمارات، فاللاعب بالنار لا يسلم من شظاياها.