فهم الاحتجاجات العربية ضد السياسات الاستبدادية وتفسيرها، لا بد أن يبقى عملًا بحثيًا مستمرًا، فمن الصعب أن نعتبر أن الاحتجاجات المتنامية عربيًا غير قادرةٍ على إحداث التغيير، وأن الطبقة السياسية يمكن أن تصبح ديمقراطيةً، من دون استمرار الضغط عليها.

كانت الندوة العلمية الدولية التي عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس (8-10 مارس/ آذار 2018) بعنوان “الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية” فرصًة مهمة لفهم الاحتجاجات الشعبية والحركات الاجتماعية في المنطقة العربية وتفسيرها، ووضعها في إطار الاشتغال العلمي والبحثي، فهذا الموضوع أضحى محطّ اهتمام الباحثين العرب الذين يعملون على رفد المكتبة العربية بدراسات أكاديمية لتحليل دوافع هذه الاحتجاجات والحركات، وأسبابها وملامحها. ولعل ذلك جعلنا نتلمس أسئلة مثل: ما هي ملامح هذه الاحتجاجات؟ وما هي أساليبها في التعبئة؟ وما هي آفاق التغيير الذي تحمله في ظل عدم قدرتها على الاستمرار؟
استحضر المؤتمر أوراقًا علمية متعددة لنقاش “حراك الريف” و”20 فبراير” في المغرب، و”حراك أصحاب الشهادة الجامعية” و”مانيش مسامح” و “لجان حماية الثورة” واحتجاجات العاملين في قطاع الصحة وحركات مقاومة الفساد و”النقاب” و”موسيقي الراب” و”أجساد الناشطات” في تونس، و”كفاية” في مصر، و”طلعت ريحتكم” في لبنان. وبَحث أيضًا في دلالات أزمة حركات اجتماعية في العراق وفلسطين والجزائر والسودان ومعانيها.
قيل الكثير بشأن الاحتجاجات التي تولد يوميًا وتتنامى بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة في المنطقة العربية. ولعل ذلك يجعلنا نستدعي سنواتٍ عديدة من الاستبداد الذي تعاني منه البلدان العربية، بصفته أهم المشكلات؛ فجذور الاستبداد العربي ما زالت السبب الرئيس 
“من الصعب أن نعتبر أن الطبقة السياسية يمكن أن تصبح ديمقراطيةً، من دون استمرار الضغط عليها”

لاستمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعاني منها المجتمعات العربية. فهذه الأنظمة عملت طوال هذه السنوات على تكليس الفضاء العام، وتقييد الحريات، وقمع المتظاهرين، ومنع الاحتجاجات، قبل أن تعي هذه الشعوب أزمتها، وتنطلق إلى الاحتجاج ضدها، وتنادي بإسقاطها وتغيير طبيعة الحكم. وفي كل هذه الدول، ما زالت الاحتجاجات تتنامى يوميًا، فإلى جانب الاحتجاجات التي بُحثت بالندوة، ثمّة احتجاجاتٌ أخرى تحتاج اشتغالًا بحثيًا ورصدًا يوميًا، مثل: “حراك جرادة” و”حراك العطش” في المغرب، و”سيبونا” و”احتجاجات الفوسفات” و”فيش نستناو” في تونس، واحتجاجات “الخبز” في السودان، وحراك “الأطباء” في الجزائر، واحتجاجات “مكافحة الفساد” في العراق، وربما متابعة الاحتجاجات والحركات الاجتماعية في السياق العربي، والوقوف على ملامحها وطبيعتها وأسبابها وتطورها، يعد موضوعًا مهما لأن يبقى ضمن اهتمامات البحث العربي وأولوياته.
وكما جاء في معظم الأوراق، تعبر أغلب الاحتجاجات التي تمر بها المنطقة عن ملامح مشتركة، وإنْ لكلٍ منها خصوصيته، فهي ليست اقتصادية فقط، بل اقتصادية – اجتماعية، وتخفي وراءها مطالب سياسية، وتتسم بأن الشباب وقودها النضالي؛ من طلبة المدارس أو الجامعات أو الخريجين، ويشكل أغلبها مقاربة فوق أيديولوجية وطائفية وعشائرية في بعض الأحيان؛ فمعظم المحتجين ينخرطون في الاحتجاج للدفاع عن قضاياهم ضمن حركات احتجاجية جديدة ذات أشكالٍ مختلفة، متجاوزين انتماءاتهم إلى المكونات التقليدية الفرعية في المجتمع، مثل الأحزاب والطوائف وغيرهما. وزد على ذلك أن المحتجين خطّوا شعاراتهم الخاصة التي تعبر عن مطالبهم الوطنية والمحلية في بعض الأحيان؛ والحديث هنا عن صياغة الشباب العبارات الاحتجاجية التي تعبر عن الواقع والبيئة الخاصة، وذلك لتكون الاحتجاجات أقرب إلى وجدان الجماهير. وإلى جانب ذلك، ابتكروا تعبيراتٍ جديدة على بعض السياقات الوطنية، مثل: عصيان مدني ومقاطعة. يمكن القول هنا إن ولادة الحركات الاحتجاجية الميدانية في السياق العربي في السنوات الأخيرة أبصرت عن فواعل تعبوية جديدة من خارج الأحزاب السياسية والمؤسسات غير الحكومية والنقابات العمالية، ما يعني غياب البنى التقليدية عن الاحتجاج، في ظل عدم قدرتها على تعبئة الشباب، وهذا في حد ذاته وضعية جديدة تتميز فيها الاحتجاجات الجديدة عن التي قادتها الحركات الاجتماعية في مراحل سابقة.
استُحضرت أساليب الاحتجاج، ووُضعت على مائدة البحث، ليس للسرد فقط، إنما لفهم سلوك جماعي منظم يعبر عن نضال مطلبي ودفاعي، يقوم على توظيف الموارد المتاحة، من أجل تعبئة الجماهير ضد حالة السخط والحرمان والتهميش والظلم وعدم المساواة. من هنا، مرّت الأوراق على استخدام أساليب عدة، مثل: تكنولوجيا التواصل الاجتماعي، وغناء الراب، والنقاب، واستخدام الجسد. بالإضافة إلى الاعتصامات، والتظاهر، والمقاطعة، والسخرية، وصولًا إلى عرض العبارات المخطوطة على اللافتات التي رفعها المحتجون. وباختصار، ربما تتقاطع بعض الوسائل المستخدمة في البلدان العربية، إلا أن ثمّة دينامية وسياقأ خاصا للأسلوب المستخدم في كل بلد عربي، وبما يدعم طبيعة الفعل النضالي للمحتج، ويشكل ضغطًا سياسيًا على السلطات القمعية لتحقيق المطالب.
وكما استفادت الحركات الاحتجاجية من الثورات العربية في تأجيج وإشعال موجات جديدة

“استفادت الحركات الاحتجاجية من الثورات العربية في تأجيج وإشعال موجات جديدة ومستمرة من الاحتجاجات”

 ومستمرة من الاحتجاجات، بفضل قدرتها على كسر جمود المجال العام، والتغلب على مشكلة الكبت السياسي وقمع الحريات في البلدان العربية، إلا أن السياقات الانتقالية في البلدان العربية أبرزت مرور هذه الاحتجاجات بمنعرجات مهمة، تعود إلى عدم قدرتها على الاستمرار، الأمر الذي يجعلها حركات احتجاجية، تقوم على رد فعل تجاه إقصاء أو تهميش أو حرمان محدد، وليست حركات اجتماعية حقيقية، والتي وإنْ صمد بعضها فذلك يعود إلى عمق الدينامية الاحتجاجية في تلك المنطقة. فمنذ اندلاع الثورات العربية، ما زالت هذه الدول تعاني عجزًا في إدارة عملية التحول الديمقراطي، وفي إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذا يعود إلى فشل النخب السياسية في إدارة هذه المرحلة. ولذلك تسعى هذه الطبقة السياسية إلى قمع هذه الاحتجاجات، مستخدمةً في ذلك الموازنات الضخمة المخصصة لقطاع الأمن، والتي تساعدها على استخدام العنف ضد الاحتجاجات، وكذلك سيطرتها على مفاصل الدولة والمجتمع، مستفيدةً من بيروقراطيتها الممتدة. وفي حالات أخرى، شكل غياب الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات غير الحكومية معضلةً أخرى، واجهت الاحتجاجات الشبابية العفوية؛ فهذه القوى التقليدية التي لم تعد تستوعب العنفوان الشبابي في الشارع، ضغطت، في أغلب الأحيان، على الشباب المنتفضين من أجل التراجع عن مطالبهم.
إن فهم الاحتجاجات العربية ضد السياسات الاستبدادية بقمع هذه الاحتجاجات، وتفسيرها، لا بد أن يبقى عملًا بحثيًا مستمرًا، فمن الصعب أن نعتبر أن الاحتجاجات المتنامية عربيًا غير قادرةٍ على إحداث التغيير، وأن الطبقة السياسية يمكن أن تصبح ديمقراطيةً، من دون استمرار الضغط عليها، فمسيرة التغيير والحريّة طويلة ومعقدة.