وفي عتمة الزمان الصهيوني، يبعث الله نجمةً تحمل وميضاً أخّاذاً يعيد إلى النفس سلامها، وللعقل اتزانه، وإلى الضمير صحوته.

أمينة بلقاضي، لاعبة الجودو الجزائرية، قالت، صمتاً، أجمل وأبلغ مما يمكن قوله في مئات المؤتمرات الحاشدة بالخطباء والمتكلمين، وآلاف الهكتارات من الكتابات الصحافية والبحثية ضد تجرّع سموم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

لم تمسك أمينة بالميكروفون، لتردّد كلاماً كبيراً، وكل ما فعلته، فقط، أنها اتخذت الموقف الأخلاقي والإنساني الصحيح، من دون ضجيج، برفضها مواجهة لاعبةٍ من الكيان الصهيوني، كانت القرعة قد أوقعتها معها، وقرّرت الانسحاب من البطولة الدولية لرياضة الجودو  التي استضافتها مدينة أغادير  المغربية العربية.

لم تكن اللاعبة الجزائرية تبحث عن أضواء إعلامية، أو تهدف إلى انتزاع صيحات التقدير والإعجاب، هي فقط قرّرت أن تكون نفسها، ولا تخون فطرتها الإنسانية السوية، وتتسق مع ذاتها العربية، التي تشكلت عبر الثقافة والتاريخ والجغرافيا، فكان القرار أن تتنازل عن ذهب الجوائز العالمية، لكي تحتفظ بجوهرها الإنساني والأخلاقي.

انسحبت أمينة، فانتصرت لقيمها ومبادئها، فيما واصل لاعب جودو، المصري إسلام الشهابي، اللعب في الألعاب الأوليمبية 2016 فانهزم مرتين، الأولى أمام المبدأ والأخلاق، والثانية أمام خصمه الصهيوني.

هذا الإبداع الصامت من أمينة بلقاضي يكتسب عمقه وأهميته من أنه يأتي في لحظةٍ بدا فيها وكأن العرب قد استكانوا لقوانين الزمان الإسرائيلي، ورأينا صهاينة السياسة والاقتصاد والثقافة يتحدثون بلهجة المنتشي بهذا التسابق العربي الرسمي المحموم، على حجز المقاعد الأمامية في قطار التطبيع، وشاهدنا خشونة التدافع بين العرب الرسميين في ماراثونٍ عنيف، ركضاً وهرولة صوب الكيان الصهيوني.

في اللحظة التي كانت فيها أمينة تصيغ رسالتها العفوية الصامتة البليغة، كانت وسائل إعلام عبد الفتاح السيسي في مصر تزفّ إلى الأمة نبأها السعيد أن إسرائيل قرّرت إدخال البهجة على المصريين والعرب ببث مباريات مونديال روسيا على قنواتها التلفزيونية مجاناً، وتبارى المحللون والمعلقون الرياضيون والسياسيون في الاحتفال بهذه المكرمة، بل كاد أحدهم يرقص فرحاً بهذا الانتصار الصهيوني على شبكة “بي إن سبورت” العربية القطرية، داعياً الجماهير إلى الحج إلى محطات التلفزة الإسرائيلية.

 احتفلوا بما اعتبروه “الجول” الذي سجلته إسرائيل، لحساب المصريين، في شبكة بي إن سبورت، كما احتفل كبيرهم الذي علمهم الانبطاح والتبعية بما سماه “الجول” الذي سجلته القاهرة في شبكة تركيا وقطر، بأقدام صهيونية، حصلت على 15 مليار دولار  وعشر سنوات من الوجود على الأراضي المصرية، ضمن صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي، المسروق من المياه اللبنانية والفلسطينية.

وقبل ذلك، كان المتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني يحتفل بنزوله ضيفاً ساعة كاملة، ولأول مرة، على برنامج “الاتجاه المعاكس” ليصول ويجول ويتطاول، ويسخر من الذات العربية والعقل العربي، ناهيك عن أن خبر وجود الشخصيات والفرق الصهيونية في هذه العاصمة العربية أو تلك بات اعتيادياً، فيما لا يزال الضمير الشعبي العربي يقاوم ببسالةٍ محاولات سحق الذاكرة بجرّافات التطبيع.

ولأن الصورة بالصورة تُذكِّر، لا يمكن هنا تجاهل موقف مشابه، وإن كان أقل وطأة، مما وجدت أمينة بلقاضي نفسها أمامها، وهو موقف الدكتور محمد البرادعي مع إيهود باراك في ملتقى دولي، يتبادلان المصافحات والقفشات والضحكات، في مناسبةٍ لم يكن البرادعي ملزماً بالمشاركة فيها، ولم يكن اعتذاره وانسحابه منها ليعرّضه لأية عقوبات أو مؤاخذات. وعلى الرغم من ذلك، ترك نفسه لإغراء اللحظة وبريق اللقطة، من دون أن يفكر في المردود السلبي لهذا التصرف، الذي جاء تزامناً مع إعلان عبد الفتاح السيسي ولاءه التام وخضوعه الكامل لما يراه دونالد ترامب، ويكشف لأول مرة عما أسماه جنرال 30 يونيو “صفقة القرن”.

قد يبدو ما أقدمت عليه اللاعبة الجزائرية الصغيرة لفتةً عفويةً وبسيطة، إلا أنها تبقى مما يحفظ للأمم والشعوب قيمها الأخلاقية والإنسانية، ودرساً بليغاً في الاستقامة الروحية، ليت الكبار يتعلمون ويستوعبون.

شكراً أمينة بلقاضي.