التحقيقات الاستقصائية، المدعّمة بالوثائق والشهود، هي جوهر الصحافة الحقة في كشف المستور، والرد على الدعاية السوداء، لدحض الادعاءات بالأدلة والوثائق، خصوصاً وأن الوثائقي “ما خفي أعظم” في قناة الجزيرة لم يأتِ، كما زعم بعضهم، ليخالف القيم والعرف الأخلاقي؟

ربما كنا سنعتبره من “سموم الجزيرة“، كما يحلو لبعضهم وصفه، لو اختارت قناة الجزيرة بثّه في العام 1997، أو بعد ذلك خلال العشرين عاماً الماضية، على الرغم من حق قطر في ذلك.. ولكن ذلك لم يحدث. ولم يحدث أيضاً أن بثته “الجزيرة” في العام 2014، في أثناء الأزمة الخليجية السابقة، على الرغم من وضوح النوايا المبيتة من الفاعلين الخارجيين في حصار قطر اليوم، والذين جاءت عليهم الشهادات في حلقتي تحقيق “ما خفي أعظم”.
واليوم، وبعد بثّ الحلقتين، كان الأجدر بمن يثير اللغط بشأن تحقيق الجزيرة الاستقصائي “ما خفي أعظم”، واتهام قطر باللعب بالنار، أن يسأل نفسه أولاً: من الذي أشعل شرارة الفتنة في خليجنا العربي الآمن الواحد؟ ومن الذي قوّض أركان علاقات شعوبه المتجذرة في أواصر اللحمة والنسب والمصاهرة؟ هل هي قطر أم دول الحصار التي اعتدت على قطر وشعبها، في ليلة مظلمة على حين غرة، لن تغفرها لهم الشعوب الخليجية ولا قطر؟.
على من يغالط أن يسأل نفسه: ما الذي دعا “الجزيرة” إلى بث الحقائق الموثقة بالأدلة والشهود أخيراً، لكشف الحقيقة الكاملة عن ضلوع دول الرباعي المارق تاريخياً في الانقلاب على حكومة حمد بن خليفة، أمير قطر عام 1996، بالتحريض على تفجيرات داخلية وزعزعة أمن قطر، ومن يسكنها من مواطنين ومقيمين، حتى بعد انتفاء الفزعة التي زعموها، وتراجع صاحبها، الأمير الأب خليفة بن حمد، بعد اكتشافه عدم سلامة نوايا من استنجد بهم تجاه وطنه وابنه؟. هذا علماً أن أحداث قطر في العام 1995 شأن قطري محلي خالص، 
“اختارت حكومة قطر، طوال السنوات الماضية، طي صفحة الماضي، وحفظ الود”

وليست شؤوناً خليجية تستدعي التجييش والتدخل العسكري، وإلا كان من حق الجيرة أيضاً تدخل دول الخليج في رد الشرعية كما يزعمون، عند انتزاع الشيخ زايد الحكم من أخيه شخبوط في الإمارات، أو التدخل أيضاً في رد الشرعية في انتزاع الملك فيصل الحكم من أخيه سعود في السعودية. لم تتعدّ قطر على حقّ من حقوق دول الجوار، ولم تمسّ أياً من شؤونهم الداخلية، فأحداثها الداخلية عام 1995 كان الأجدر فهمها بعيداً عن التسليح والتخطيط والتحريض على أعمال العنف للمحور الثلاثي، بل الرباعي الذي شاركت فيه مصر أيضاً. هذا ولم يرحم إعلامهم حتى سيرة الأب، الشيخ خليفة طيب الله ثراه، والذي يدّعون الفزعة له أيضاً، إذ اتهموه، واتهموا دولته بدولة الانقلابات والخيانات، نسبة إليه فاتهموه بالمنقلب، على الرغم من أنه كان وريث العرش الابن الصغير، بوصية الوصي عليه إلى أن يكبر ويبلغ سدة الحكم فيتقلده، والتاريخ موجود لمن يريد أن يقرأ، لا لمن يهرف بما لا يعرف جزافاً.
على من يغالط نفسه أن يسأل عن حقوق الشعوب في كشف الحقيقة، في ظل استمرار الاعتداء السياسي والإنساني على قطر منذ يونيو/ حزيران 2017، والاستعداء الشعبي بتغذية خطابات الكراهية ضد قطر وشعبها، بفبركات الآلة الإعلامية بجملة “عشرين سنة صابرين عليكم”، والتي لم يتورّع منها حتى دبلوماسيو الرباعي، على الرغم من التزام قطر بمبادئ حسن الجوار، وعدم الزّج بكشف هذه المؤامرات المؤرخة بعشرينيتهم المزعومة؟ بل اختارت حكومة قطر، طوال السنوات الماضية، طي صفحة الماضي، وحفظ الود، طوال فترة حكم أمير قطر الوالد، الشيخ حمد بن خليفة، بعقلانية، متصدراً فوق التحمل والصبر، والعفو عند المقدرة عمّن تآمر عليه من الخارج، وعدم زجّ شعوب الخليج فيما يمكن أن يتسبب بينهم بتقويض العلاقات الأخوية، إلى الدرجة التي لم يعلم حتى القطريون أنفسهم عن كامل التفاصيل الدقيقة لعمليات التواطؤ التي أُثبتت بالوثائق والشهود إلا أخيراً، بعد تجرّع الشعب القطري الحملة الضارية منذ “5 يونيو”، وبث اللجان الإلكترونية وسوماً عدائية مضللة على “تويتر” بـ #عشرين_سنه_صابرين و #تونا_ما_بدينا، والتي لم تتورع عنها حتى الأغنية في تسييسٍ 

“على من يغالط نفسه أن يسأل عن حقوق الشعوب في كشف الحقيقة، في ظل استمرار الاعتداء السياسي والإنساني على قطر”

مسفٍّ استخدمته دول الحصار في انحدار وانحطاط وشحن لغة كراهية بين الشعوب، لم يشهده المجال السياسي الخليجي من قبل. وعليه، لم ولن تنتج قطر أغنية سمجة أو برنامج “توك شو”، للرد على مغالطاتٍ صبيانية، إنما قرعت بالحجة، فكبد الحقيقة التي أصابها التحقيق الاستقصائي هي مكمن الألم وبيت القصيد الذي أوجع بعضهم، فأطلقوا عليها لعباً في الوقت بدل الضائع، على الرغم من أن السياسة ليست قوانين كرة القدم. والتحقيقات الاستقصائية، المدعّمة بالوثائق والشهود، هي جوهر الصحافة الحقة في كشف المستور، والرد على الدعاية السوداء، لدحض الادعاءات بالأدلة والوثائق، خصوصاً وأن الوثائقي لم يأتِ، كما زعم بعضهم، ليخالف القيم والعرف الأخلاقي؟
عن أي قيم يتحدّثون؟ وهل ترك القوم من أخلاق؟ لقد فجروا، فما فتئت أبواقهم تنضح صدأ ببرامج مفبركة منذ حصار قطر، وتهمة العشرين عاماً من الصبر، في إشارة إلى حكم أمير قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة. وللمفارقة “لقد رمتني بدائها وانسلت”، كما يقول المثل العربي.
كما أن “ما خفي أعظم” في “الجزيرة” لم يأتِ في وقت بكّر إشعالاً لكرة نارٍ، أو لعباً في زمن قابل للاشتعال كما يزعمون، لأن الزمن مشتعل أصلاً، فإذا كان في الوثائقي من نار، فإنها النار المحتواة في مواجهة النار المضطرمة اشتعالاً في الخليج لمكافحة النار وإطفائها بنار، وهو تكنيك متعارف عليه في إدارة احتواء حرائق الغابات المستعرة ومكافحتها، حتى لا يمتد ضررها ويشتد، فتهلك الأخضر واليابس، فهل سيسكت الحقُّ الباطل؟
حقيقة للتاريخ، من أشعل فتيل أزمة الخليج 2017، وما زال ينفخ كيرها لتأجيجها، يعلم ذلك، ويعلم أنه لم يوقد شرارة في أرض قطر، بل أضرم ناراً مستعرة على الجميع، في أرض الخليج برمته، قد تهلك الأخضر واليابس، كما حذّر منها قائد الحكمة، الشيخ صباح الجابر الصباح أمير الكويت، في أكثر من خطاب، وأكثر من محفل، منها قوله في افتتاح مجلس الأمة (البرلمان) يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2017: “خلافاً لآمالنا وتمنياتنا، فإن الأزمة الخليجية تحمل في جنباتها احتمالات التطور، وعلينا جميعاً أن نكون على وعي كامل بمخاطر التصعيد، بما يمثله من دعوة صريحة لتدخلات وصراعات إقليمية ودولية، لها نتائج بالغة الضرر والدمار على أمن دول الخليج وشعوبها”. و”هدفنا الأوحد إصلاح ذات البين، وترميم البيت الخليجي الذي هو بيتنا، ونتحرّك لحمايته من التصدع والانهيار. إن التاريخ وأجيال الخليج القادمة، بل أجيال العرب جميعاً، لن تنسى، ولن تغفر لمن يسهم، ولو بكلمة واحدة، في تصعيد وتأجيج هذا الخلاف، ويكون سبباً في انهيار هذا الصرح الجميل”.
يجب أن تظل الكويت، الوسيط الحكيم، وجهتنا. ويجب أن تبقى كلمة أميرها لنا، أبناء الخليج وسياسييها، منطلقات آنية ومستقبلية، فيجب أن نطوي جميعاً صفحة الماضي، بكل مآسيها وآلامها، لأن الوعي الشعبي فوق السياسي يدرك أن المؤامرة أكبر من ذلك، لأنها تريد الخليج لقمة سائغة لصراعات إقليمية ودولية.
الحكمة في الكويت “واسأل مجرّب”.
Twitter: @medad_alqalam