لم ترتكب غواتيمالا خطيئتها بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لو لم تكن دولة مسكينة مثلنا، لا تستطيع أن تفعل شيئا أمام “شجاعة” الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وهي تعرف أننا لم نفعل شيئا أمام شجاعته، فقد شتمنا قبل أن يصبح رئيسا وبعدها.

ثمّة علاقة مثيرة ظلت غير منظورة لنا إلى أن وصلت أخيرا إلى حد التشابك المقرف، أبطالها ثلاثة: نبات الهيل، بعضهم يسميه الحبهان، وغواتيمالا إحدى جمهوريات الموز في أميركا الوسطى، يسميها بعضهم أرض الثعابين آكلة الطيور، وفلسطين، أو على الأصح ما سيتبقى لنا من فلسطين بعد “صفقة القرن”. وعقدة التشابك التي أضحت ماثلة اليوم أمام عيوننا هي في إنكار غواتيمالا حقا لنا، تسعى إلى تجييره لعدونا اللدود، معلنة اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل ومخططة، لنقل سفارتها إلى هناك، وساخرة من قدرتنا على ردّها. كان الرئيس جيمي موراليس قد أطلق في وقفةٍ أقرب إلى مشهد كوميدي ضاحك أمام المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) التي تعتبر أكبر لوبي داعم للدولة العبرية في الولايات المتحدة عبارة شكر للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على “قراره الشجاع الذي أرشدنا إلى الطريق وشجعنا على فعل ما هو صواب”، واعدا أنه سينقل سفارة بلاده إلى القدس بعد يومين فقط من نقل ترامب سفارته في مايو/ أيار المقبل، وكأنه أراد أن يذكّرنا بنكبتنا الأولى التي توالت فصولا، (موراليس ممثل كوميدي مشهور، ظهوره على الشاشة عشرين عاما جعله يقفز إلى الرئاسة بسهولة)، لم يأبه موراليس بردود الفعل الخجولة التي صدرت عن بعضنا، فيما صمت بعضنا الآخر، لأن فلسطين لم تعد تعنيه، وسبقت وزيرة خارجية غواتيمالا، ساندرا خويل، رئيسها في إشعارنا أن قرار النقل “قرار سيادي”، أي أن علينا القبول به، لأنه لن يؤثر على علاقات بلادها معنا كما قالت، ومؤكدة أنها لم تتلق أي اتصالٍ من أي سفير عربي في الاعتراض على القرار، كما لم تلمس توجها إلى مقاطعة بلدها اقتصاديا!
يبدو أن خويل تعرف أن مشكلتنا الرئيسية أننا نعشق الهيل، أو ما يسميه بعضنا “الحبهان” الذي يزرع في بلادها، ونبادله نحن بملايين الدولارات (السعودية والإمارات وحدهما تستوردان أكثر من ثلث صادرات غواتيمالا من الهيل سنويا، وباقي دول المشرق تستورد ثلثا ثانيا). ولذلك نبدو عاجزين عن الرد على قرارها السيئ الصيت. وإلى حد الساعة، لم يُعلن 
“كأن غواتيمالا بقعة من عالمنا العربي، ضحاياها يشبهون ضحايانا، وجلادوها يشبهون جلادينا”

عن خطوة عربية بغلق الأسواق أمام استيراد الهيل. صحيح أن له فوائده الصحية والعلاجية، بعضهم يستطيع أن يحصي استخدامات كثيرة له في حياتنا اليومية، حيث يعطي للأكل مذاقا لذيذا، وللقهوة والشاي نكهة فريدة، وقد اكتشفنا أن بعضا من أبناء جلدتنا لا يفضلون أن يشربوا الشاي أو القهوة من دون أن يضعوا حبة هيل في الكوب، لكن المسألة ليست على هذا النحو، فثمة ما يستوجب وقف استيراده إلى أن تتراجع غواتيمالا عن خطيئتها بحقنا. وقد فعلنا ذلك من قبل، استخدمنا سلاح مقاطعة الهيل قبل عقدين ونصف العقد، عندما كنا في حال أفضل، ونجحنا في إجبار رئيس غواتيمالا آنذاك، راميرو كاربيو، على التراجع عن قرار مماثل.
ولكن مهلا، ما لم تقله خويل، بلغتها الدبلوماسية التي تلمح ولا تجرح، نقرأه نحن إن شئنا بين السطور، ومفاده بأن مطالبتنا وآخرين بالرد على خطوة غواتيمالا ليس سوى مفارقة ساذجة، فاذا كنا جادين حقا في المطالبة بمقارعتها، وغلق أسواقنا أمام منتجاتها، أما كان الأولى بنا أن نطالب بمقارعة صاحب القرار “الشجاع” أولا، وأن نغلق أسواقنا أمام تجارة بلاده، أو على الأقل أن نهدّد، نهدّد فقط بوقف ضخ ثرواتنا إليه؟
وبلغةٍ تفصح، وقد تجرح، نقر بأن غواتيمالا لم ترتكب خطيئتها بالاعتراف بالقدس، لو لم تكن دولة مسكينة مثلنا، لا تستطيع أن تفعل شيئا أمام “شجاعة” الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وهي تعرف جيدا أننا لم نفعل شيئا أمام شجاعته، فقد شتمنا قبل أن يصبح رئيسا وبعدها، وأقر مفاخرا برعايته إسرائيل، وفرض علينا أن ندفع له ثمن حمايته لنا، وقد دفعنا له ما أراد، لشراء صمته وكسب رضاه، فلماذا نستكثر على غواتيمالا أن تسترضيه، ونحن نعرف أن حالها تشبه حالنا، ومعاناتها تشبه معاناتنا. وثمّة ما هو مشترك بيننا، فضحته حكايات “السيد الرئيس” التي رواها لنا الغواتيمالي، ميغيل استورياس، وذكّرتنا برؤساء حكمونا وتحكموا برقابنا، حتى خيل إلينا أن غواتيمالا بقعة من عالمنا العربي، ضحاياها يشبهون ضحايانا، وجلادوها يشبهون جلادينا، وخنوعها للأميركيين يفرض عليها أن تقدّم للسيد الأميركي “الشجاع” فروض الطاعة والولاء، كما فعلنا نحن ونفعل.