يبدأ حل أي مشكلةٍ بتحديد المسؤوليات التي لا يجوز، على الرغم من الاختلاف بشأنها، إعفاء النظام في سورية من تحمل القسط الأكبر منها، إن لم يكن لشيء، فلأنه كان يتولى إدارة البلد، فأوردها موارد الهلاك.

على وقع ما يجري في الغوطة الشرقية، ومع اقتراب الأزمة السورية من دخول عامها الثامن، غدت الحاجة ملحةً، أكثر من أي وقت مضى، لإجراء مراجعاتٍ ليس فقط للوقوف على الأسباب التي أدت بسورية إلى الكارثة الكبرى التي تعيشها اليوم، بل أيضاً للبحث في سبل الخروج منها. ولا تستوي أي عملية مراجعة إلا إذا بدأت بتحديد المسؤوليات، لكنها لن تصل قطعاً إلى نتيجة إلا إذا أوقفنا الكارثة أولاً حتى تبدأ المحاسبات؟ بدأ تحديد المسؤوليات منذ اليوم الأول للثورة، ويجب لأهميته أن يستمر، على الرغم من الاختلاف بشأنها. فإذا سألت سوريين، لا على التعيين (موالاة ومعارضة) عن رأيهم في الأسباب التي أدت إلى الأزمة، فسوف تحصل بالتأكيد على إجابات مختلفة، تتراوح بين تحميل النظام المسؤولية كاملة عن ضياع البلد، نتيجة افتقاره أدنى درجات الحكمة والرشاد التي تتطلبها إدارة مؤسسة صغيرة، فما بالك بإدارة شؤون دولةٍ، وحفظ حياة مجتمع، فاختار العنف الغاشم في التعاطي مع أشكال قابلة للاحتواء من الاحتجاج الاجتماعي، لاعتقاده أن استخدام درجاتٍ معتدلة من العنف يظهر السلطة بمظهر الضعف، ويشجع الاحتجاج على الاستمرار والتصعيد.
سوف تجد أيضاً من يُحمّل المعارضة (ات) مسؤولية كبيرة، لأنها غرّرت بالناس، وباعتهم الأوهام، عندما هيأت لهم أن إطاحة نظامٍ متمرّس في استراتيجيات البقاء ممكن في عصر الصورة الرقمية و”سيادة” القيم الإنسانية في الحسابات الدولية. سوف تجد أيضاً من يتحدّث عن تشرذم المعارضة وسوء أدائها على كل المستويات (سياسي- إعلامي- عسكري… إلخ) ومن يتحدث عن أسلمة الثورة، واللجوء إلى السلاح، ومن يقول بمسؤولية الأطراف الدولية والإقليمية، وتحول السوريين، نظاماً ومعارضة، إلى “أدوات” محلية في صراع إقليمي- دولي. وهناك من يختصر كل شيء بالحديث عن انحطاط النخب وانتهازيتها، وبراءتها من كل انتماء خلا مصالحها الضيقة، وهناك من يأخذ الأمور بالاتجاه المعاكس، ويقول بمسؤولية المجتمع، وعلله المتنوعة من طائفية وقبلية وجهوية… إلخ.
هذه النقاشات مهمة، وتساعد على الفهم والمراجعة والتقييم، فحل أي مشكلةٍ يبدأ بتحديد المسؤوليات التي لا يجوز، على الرغم من الاختلاف حولها، إعفاء النظام من تحمل القسط الأكبر منها، إن لم يكن لشيء، فلأنه كان يتولى إدارة البلد، فأوردها موارد الهلاك. لكن وحتى تنضج ظروف المحاسبة، في بيئةٍ إقليميةٍ ودولية غير مساعدة، وغير مكترثة بمصير السوريين، يجب أن يبدأ التفكير في جملةٍ من الأسئلة الجوهرية، أهمها: كيف نوقف عملية التدمير الذاتي المستمرة منذ سبع سنوات؟ كيف يمكن إيجاد حالة من التفكير الجماعي كسوريين (وليس كموالاة ومعارضة) وإحياء الروح الوطنية السورية، تمهيدا لإنتاج إجماع وطني، هدفه إنقاذ سورية أو ما تبقى منها؟ وكيف نسترد قرارنا الوطني، بعيدا عن أي إملاءات أو وصاية خارجية؟ وكيف نستعيد وحدة سورية الترابية والمجتمعية؟
قد يبدو هذا الطرح غير واقعي في الظروف الراهنة، فالنظام يشعر توّاً بسكرات النصر، وهو لم يعط شيئاً وهو مهزوم، فكيف به منتصراً؟ ليس إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية مختلفة! فالنظام يبدو اليوم مهزوماً أكثر من أي وقت مضى (الأصح طبعاً أن نقول إننا، نحن السوريين، جميعاً مهزومون)، فهو من جهةٍ خسر أجزاء كبيرة من سورية (الأميركيون في الشمال والشرق، والأتراك في الشمال والغرب)، وهو في غير وارد استرجاعها من دون حل سياسي معقول. من جهة أخرى، غدا النظام في الجزء الذي يسيطر عليه رهينةً في يد القوى الأجنبية التي تدعمه. وظني أن النظام الذي طالما تباهى باستقلالية قراره، وفي كونه لاعباً إقليمياً مهماً يشكل حكومات ويسقطها في دول الجوار، لا بد أنه يطمح في استعادة قراره، بدلاً من الاستمرار في تلقي أوامر من ضابط روسي أو إيراني أو من عنصر من حزب الله. فقط التوصل إلى حل سياسي يعيد إلى سورية لُحمتها الترابية والمجتمعية، يتيح للنظام استعادة سيادته الكاملة على أراضيه واستقلالية قراره، خلاف ذلك، يعني استمرار حالة الصراع، استمرار الوجود الأجنبي (داعم أو معادٍ) واستمرار الارتهان له. بعض هذه الأفكار سيلقى قبولاً وبعضها سيلقى استنكاراً، لكن هذا ليس مهماً، المهم إيجاد حالة من النقاش، تساعد في الخروج من عنق الزجاجة، والتفكير خارج الخنادق والمعسكرات.