سبق أن أمر جوزف ستالين، رجله الأقرب، لافرنتي بيريا، بتصفية عناصر في أجهزة أمنية سوفييتية من المشكوك في ولائها لـ”الرفيق الأكبر”. وانتهى بيريا إعداماً بالرصاص على أيدي رجال جيورجي مالينكوف.

يُمكن للعلاقة المتردية بين بريطانيا وروسيا أن تشكّل مدخلاً أساسياً لمستقبلٍ متشعّب الاحتمالات بين كل منهما من جهة، وبينهما وبين كل من أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى. قضية العميل الروسي المزدوج، سيرغي سكريبال، وابنته، اللذين قُتلا في سالزبري، جنوب غربي بريطانيا، بغاز للأعصاب، في 4 مارس/آذار الجاري، ليست سوى تفصيل في هذه العلاقة.
احتدم الخلاف بين لندن وموسكو، في اليومين الماضيين، مع توجيه الأولى اتهاماتها للثانية في شأن “اغتيال” سكريبال، معتبرةً أن في الأمر تكرارا لاغتيال العميل الروسي المزدوج، ألكسندر ليتفيننكو عام 2006. أساساً، التاريخ الروسي زاخر بتصفية عملاء الاستخبارات المزدوجين. وجهاز الاستخبارات البريطاني (أم أي 6)، كان ندّاً قوياً في السابق للاستخبارات السوفييتية، وهو ما دفع رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إلى التصعيد في وجه الروس، واستدعاء السفير الروسي، لتفسير ما حدث في سالزبري.
هل تتطوّر الأمور إلى حدّ التهديد بقطع العلاقات البريطانية ـ الروسية، ربما قد يكون ذلك السقف الأعلى لأي صدام محتمل بين البلدين، لكن المسألة تتجاوز ذلك إلى العلاقات الدولية. أضحت بريطانيا حالياً البوابة الأميركية الإلزامية إلى أوروبا، على الرغم من أن ملف خروجها من الاتحاد الأوروبي بات في خواتيمه. وأوروبا تعمل لفرض شروطها على البريطانيين، على قاعدة أن “الخروج من الاتحاد مكلفٌ للدولة الخارجة”، وبالتالي تقمع أوروبا أي خطوةٍ مماثلةٍ مستقبلاً، خصوصاً في إيطاليا التي فاز الشعبويون فيها في انتخاباتها التشريعية أخيرا. تلقّت أوروبا ضربة خفيفة على رأسها، بين تقديمها الدعم لبريطانيا بما ينعكس على ملف “البريكست” بشروط بريطانية مضادة، أو تقديمه بحياء بما يوحي وكأنها اصطفّت مع الجانب الروسي. عليه، بدا “الدعم” الأميركي للبريطانيين في هذه القضية أكثر قوةً من الأوروبيين، الذين لا يمكنهم المفاضلة بين الروس والبريطانيين، ولا بين الروس والأميركيين، بعد تحوّلهم إلى الحلقة الأضعف في المنظومة الجيوبوليتيكية الجديدة.
في المقابل، لن يرضخ الروس الذين يسعون إلى فرض مخططهم الخاص في شأن الغوطة الشرقية لدمشق السورية، بطبيعتهم، وبطبيعة رئيسهم فلاديمير بوتين، للتصعيد البريطاني، شأن كل القضايا المتلاحقة التي تورّطوا فيها من ليتفيننكو إلى سكريبال، وبينهما المعارض بوريس نيمتسوف. لن يرضخوا، لأن الروس اعتادوا الضرب تحت الحزام من دون ردّ. وفي لغة الشوارع، كل من لا يردّ على أي اعتداء أو هجوم عليه سيخسر معركته. وبوتين يحب لغة الشوارع، سبق أن استخدمها لتبرير دخول قواته لدعم النظام السوري في 30 سبتمبر/أيلول 2015، بالقول “تعلّمت في شوارع سانت بطرسبرغ أنه إذا كان الصدام حتمياً فلا بدّ من توجيه الضربة الأولى”. وغالباً ما تكون تلك الضربة “قاضية”. وهو “سرّ” استمرار بوتين في السلطة في روسيا أولاً، وفي التصرّف وفقاً لأهدافه من دون رادع ثانياً.
أيضاً في التاريخ، السلاح الذي تمتلكه واعتدت الانتصار به هو السلاح الذي سيؤدي إلى نهايتك. في حالة روسيا، قد تحقق تصفية الاستخبارات رجالها السابقين انتصاراتٍ مرحليةً عبر منع تسرّب معلومات ما إلى “الجهات المعادية”، لكنه في الواقع سيكون السلاح الذي ستسقط به روسيا يوماً ما. فتعدّد “الإنجازات” بالنسبة لحلفاء المخابرات السوفييتية (كي جي بي)، يعني مراكمة الأعداء أيضاً. سبق للجهاز أن مرّ بحالةٍ مشابهةٍ في ثلاثينيات القرن الماضي، حين أمر جوزف ستالين، رجله الأقرب، لافرنتي بيريا، بتصفية عناصر في أجهزة أمنية سوفييتية من المشكوك في ولائها لـ”الرفيق الأكبر”. وانتهى بيريا إعداماً بالرصاص على أيدي رجال جيورجي مالينكوف. وبتخلّصهم منه، تخلّص السوفييت من عبئهم الأكبر في مرحلة الحرب الباردة (1947 ـ 1991).
إلى أين ستصل حدود المواجهة بين الروس والبريطانيين؟ إلى كل شيء، عدا احتمال حدوث صدام عسكري، على أن للأميركيين الدور الأكبر في أي تصعيدٍ من عدمه.