تنويه: ما سيتم ذكره في هذا المقال، ما هو إلا قطرة مياه في بحر، أو ذرة في جبل، أو حبة رمل في صحراء من حياة أبي بكر الصديق.

حين جلست مع نفسي لأكتب عن عبد الله بن أبي قُحافة – أبي بكر الصديق – قلت بصوت مسموع، من أنا ومن سأكون حتى أكتب عن الصِّديق، من أنا ومن سأكون حتى أكتب عن أول رجل نطق الشهادة الإسلامية، من أنا حتى أكتب عن رجل انتصر الإسلام بإسلامه، وأعز الله الدين بإيمانه، عن رجل نصر رسول الله يوم أن خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس، وصدَّقه يوم كذبه الناس.

وفي النهاية قرَّرت الكتابة عنه (رضي الله عنه وأرضاه) وها أنا أكتب بعض الكلمات البسيطة مخاطبًا جيلي جيل «مفيش صاحب يتصاحب» أخاطبهم لعلَّ أحدهم يستخلص معنى الصداقة من ذكر بعض المواقف لأبي بكر الصديق، يستخلص معناها من المواقف دون الحاجة إلى الرجوع للمعجم اللغوي، أو إلى محركات البحث لمعرفة معنى الصداقة، الصداقة في نظري ليست تنحصر في معنى بل تنحصر في أفعال وستجد نفسك مستخلصًا للمعنى بعد الانتهاء من هذا المقال القصير بإذن الله.

من مواقفه رضي الله عنه في الهجرة

عندما نزل الوحي وأخبر الرسول صلَّى الله عليه وسلم بالمؤامرة وخطة القتل المُدبّرة من قِبل المشركين للنيل من أشرف مخلوق على وجه الأرض، سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عمن سيصاحبه في الهجرة، فعن علي رضي الله عنه قال إن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام «من يهاجر معي؟» فقال أبو بكر الصديق.

فكان الرسول صلَّى الله عليه وسلم يعلم الأمة أن الخطة الناجحة تحتاج إلى رفيق وصديق، فلم يقل في قرارة نفسه «أنا رسول الله مؤيد بالوحي لن أحتاج إلى شخص يساعدني في الهجرة!» بل سأل عن الصحبة.

بعد ذلك قام بالتخطيط والترتيب للهجرة فلم يقل أيضًا «أنا نبي الله وسيرعاني ويحميني من كل سوء!» بل كان يعلم الأمة في كل شيء أشياء ومن هذه الأشياء، الأخذ بالأسباب والتخطيط والترتيب. ولست في حاجة للإسهاب في نقطة التخطيط والترتيب، هذا ليس أساس موضوع المقال.

لن أقفز مسرعًا لذكر مواقفه أثناء الهجرة، قبل أن أذكر ردة فعل الصِّديق عند استقباله خبر الصحبة في الهجرة.

القارئ لأول مرَّة من غير المسلمين لهذا الموقف سيتوقع الرفض من أبي بكر الصديق، بسبب مدى خطورة هذه الرحلة وكثرة المتربصين بها، ستروي لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رد فعل سيدنا أبي بكر عندما علم الخبر حيث قالت:

«فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ”. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بِالثَّمَنِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أسماء بنت أبي بكر الصديق قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.

قَالَتْ: ثمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عبد الله بن أبي بكر، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلاَّ وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رجلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيَا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ» [البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، (3692)].

المتأمل في الكلام الذي مضى سيجد أول ما شغل بال الصِّديق السؤال عن الصحبة، وعندما بشَّره الرسول صلَّى الله عليه وسلم بكى بكاءً شديدًا من شدة الفرح فقالت أمنا عائشة «فلقد رأيت أبا بكر يبكي من شدة الفرح»، نعم كما قرأت يبكي من شدة الفرح وليس خوفًا من خطورة الرحلة.

هذه الفرحة الطاغية كانت لأنه سيخرج في هذه الهجرة الخطرة؛ بل شديدة الخطورة! ولا شكَّ أن الصديق رضي الله عنه كان يُقَدِّر خطورة هذه الرحلة، لكن ذلك لم يُؤَثِّر فيه مطلقًا، فهو يُحِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا لا يُوصف، وكان هذا حبًّا حقيقيًّا غير مصطنع، لازمه في كل لحظة من لحظات حياته؛ منذ آمن وإلى أن مات رضي الله عنه، وبهذا الحبِّ وصل الصديق رضي الله عنه إلى ما وصل إليه.

عزيزي القارئ، كن بجوار صديقك في الشدة قبل الرخاء، كن محبًا لصديقك دون مقابل، هكذا علَّمنا الصدّيق. إن لم تكن بجوار صديقك في الشدة فلا تكن صديقه في الرَّخاء، لأنك بذلك تلوث الكلمة الشريفة «الصداقة».

نُكمل ما بدأناه، في الطريق ظهرت علامات الحب والصدق والوفاء في مواقف الصِّديق الذي كان يمشي تارة أمام النبي وتارة خلفه، وتارة عن يمينه، وتاره عن يساره، هذا نابع من خوفه على النبي من أن يصيبه مكروه أو أذى. فقمة معنى الصداقة نجدها في الصِّديق رضي الله عنه.

إذ هما في الغار

عندما ذهب إلى الغار وجاءوا ليدخلوا الغار، قال الصِّديق للرسول: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقي منهما اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ادخل. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه الرسول، فسقطت دموعه على وجه رسول الله، فقال: «مالك يا أبا بكر؟» قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله، فذهب ما يجده. رواه عن عمر بن الخطاب، باب مناقب أبي بكر (2/556)، وبقوا في الغار ثلاث ليال (الجمعة – السبت – الأحد) انظر فتح الباري (7/336).

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها هرب رسول الله صباح ليلة التنفيذ، فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليّـًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علَّهم يظفرون بخبرهما، «رحمة للعالمين (1/96)».

ولما لم يحصلوا من عليٍّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر، وقرعوا بابه فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي؟ فرفع أبو جهل يده – وكان فاحشًا خبيثًا – فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها «ابن هشام (1/487)».

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على النبي وصديقه الصِّديق، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة – في جميع جهاتها – تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيًا أو ميتًا. «انظر صحيح البخاري (1/554)».

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، لكن دون جدوى. وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما»، وفي لفظ: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» صحيح البخاري (1/516،558).

ووالله لم يكن فزع الصِّديق مخافة على نفسه، بل سببه الوحيد هو خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي صديق أنت يا صدِّيق، والله لا أرى معنى للكلمة «الصداقة» سوى فيك يا ابن قحافة، هذا فقط من مواقف بسيطة جدًا، فماذا لو ذكرنا جميع مواقفك. أنت القدوة لمن أراد أن يكون صديقًا وفيًا، من يُرِد الوفاء في الصداقة فليقرأ سيرتك العطرة المليئة بالمجلدات والكتب. لن يوجد من يستطيع أن يوفي حقك من خلال كلمات أو مجلدات. رضي الله عنك يا صدِّيق الأمة.