(1)

خطف طلب جنوب السودان الانضمام للجامعة العربية الأضواء من كل بنود جدول أعمال الدورة «149» لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، التى انعقدت فى 7 مارس الجارى بمقر الجامعة في القاهرة، والتى انتهت برفض طلب جوبا، بعد أن تصدى وزير خارجية السودان إبراهيم غندور لهذا الطلب بقوة، وهو ما تأثر به عدد من الوزراء العرب، تحت شعار «عدم إغضاب إخوتنا فى السودان»، بحسب تصريحات أكدها لى مسئول دبلوماسى عربى رفيع المستوى، حضر المناقشات المغلقة بشأن طلب جنوب السودان، والذى أعرب عن أسفه البالغ لرفض طلب انضمام جوبا إلى المظلة العربية، الذى من شأنه «منح العرب قدرة كبيرة على التأثير على هذا البلد، الذى تقاتل إسرائيل لبسط نفوذها على قراره، لإدراكها أهمية موقعه الحاكم، كبوابة مهمة لإفريقيا، ولمرور مياه النيل فى أراضيه.

(2)

سألت المسئول العربى الكبير عن تفاصيل طلب جوبا الانضمام للجامعة العربية؛ فقال: «القصة بدأت فى مايو 2016، عندما أرسلت حكومة جنوب السودان وفدا قابل الدكتور نبيل العربى، أمين عام الجامعة العربية وقتها، وطلبوا منه الانضمام للجامعة بصفة (مراقب)، وهو ما رحب به العربى، الذى كان يستعد لمغادرة الجامعة، لكنه فى أثناء تسليم أمانة الجامعة للأمين العام الجديد، السيد أحمد أبو الغيط عرض عليه طلب جوبا، فتحمس له بشدة.

وأضاف المصدر أن أبو الغيط طرح طلب جنوب السودان الانضمام للجامعة العربية فى الاجتماع التشاورى التقليدى الذى سبق الاجتماع الوزارى فى سبتمبر 2016، وقال عند طرحه للموضوع إن جوبا تعد نافذة مهمة للعرب على إفريقيا، ونقطة ارتكاز استراتيجية يمكن للإسرائيليين أن يختطفوها باعتبارها معبرا لمياه النيل الأبيض إلى دولتى المصب (مصر والسودان)، وأن أى مطل على مقتضيات الأمن القومى العربى يجب أن يسعى لاحتواء هذا البلد، الذى كانت أرضه عربية فى يوم من الأيام، بدلا أن نسمح لآخرين بالتمدد فيه.

لم يتجاوب وزراء الخارجية مع مطلب انضمام جنوب السودان للجامعة بصفة مراقب، بعد أن قوبل بمعارضة سودانية، انطلاقا من «أنه لا يوجد فى ميثاق الجامعة شىء اسمه صفة مراقب»، كما رفضه آخرون بدعوى أنه فى حال حصول جوبا على صفة «مراقب» سيتوجب حصول تشاد على نفس الصفة، علما بأن الأخيرة تعتمد اللغة العربية لغة رسمية ثانية، وهو الأمر الذى لا تتحمس له الجزائر وليبيا.

انتهى الأمر بتشكيل لجنة تبحث فى معايير صفة «المراقب»، انتهت إلى أن «الدولة التى تحصل على صفة المراقب يجب أن تكون متحدثة باللغة العربية، وتستشعر الانتماء للعالم العربى»، ولم يعرض تقريرها على مجلس الجامعة، وتم دفنه مع ما يسمى «ملف إصلاح الجامعة»، الذى يحتاج لسنوات طوال.

(3)

سألت المصدر عن السبب وراء تجديد جوبا طلب الانضمام للجامعة حاليا، فقال: الجنوبيون يعانون خلافات مع عدد من جيرانهم الأفارقة، وليسوا فى وفاق مع واشنطن، ويريدون دعم الكتلة العربية فى الأمم المتحدة ضد أى مساعى لفرض عقوبات عليهم؛ بسبب عدم التوصل لتسوية مع المتمردين، مع طموحهم فى الاستفادة من الاستثمارات العربية التى قد تنعش اقتصاد البلاد، الذى يعتمد فقط على النفط.

لكل هذه الأسباب – يضيف المصدر ــ التقى تعبان دنج، النائب الأول لرئيس جنوب السودان، الأمين العام للجامعة العربية فى مؤتمر ميونخ للأمن الشهر الماضى، وجدد مطلب انضمام بلاده للجامعة، ثم أرسل سيلفا كير رسالة إلى الأمين العام حملها إيك أياى دينج، وزير شئون الرئاسة بجنوب السودان، قال فيها «أرغب فى تعزيز علاقاتنا مع الدول العربية تحت مظلة الجامعة والارتقاء بمستوى آليات التعاون المؤسسى معها»، أى إنه لم يقل «عضوية دائمة» أو حتى «صفة مراقب».

(4)

طرحت الأمانة العامة مطلب جوبا على الاجتماع الوزارى الأخير، وبحسب وصف المسئول الكبير «كانت مناقشة هذا البند حامية الوطيس، تصدى وزير خارجية السودان بقوة، وقال إن الجنوبيين انفصلوا عن الخرطوم بقوة السلاح (علما بأن الانفصال كان بموجب اتفاق نيفاشا)، وأن لديهم جماعات إرهابية تهدد السودان.

يشدد المصدر على أن «الوزير السودانى لم يمنح نفسه الفرصة للاستماع إلى أن إدخال جوبا الجامعة سيكون بمثابة احتواء لها، ويمنح العرب قدرة كبيرة على التأثير عليها. فلن تجرؤ على التصويت ضد فلسطين فى الأمم المتحدة كما حدث فى القرار الذى دعا الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، الذي امتنعت جوبا عن التصويت عليه، وهو ما يصب في المصلحة الإسرائيلية». انتهى الاجتماع بسير الكثير من الوزراء مع ما طرحه الوزير السودانى.

(5)

لعل من المفارقات المثيرة للحزن من موقف العرب من انضمام جوبا للجامعة العربية، أنه فى ذات اللحظة التى كان يناقش الوزراء العرب هذا الأمر بثت صفحة «إسرائيل بالعربية» على موقع «فيس بوك»، فيديو راقصا كتبت فى التعليق عليه: «انتظمت حلقات الرقص والغناء فى جنوب السودان بمعية سفير إسرائيل حنان جودير، احتفاء بمشروع إنسانى آخر قامت به وكالة التطوير والتنمية (ماشاف) المنبثقة عن الخارجية الإسرائيلية. وحمل المحتفلون العلم الإسرائيلى وعلم جنوب السودان بهذه المناسبة.