بسم الله نبدأ، وبالصلاة على حبيبه محمدٍ معلم البشرية الخير، أما بعد.

تتجلى حكمة الله – تعالى – في تقسيم الأرزاق (الزائدة عن حاجة الإنسان) متمثلةً في رفاهيته وما إلى غيرها من الأمور، بفرض مبدأ السببية، وجعلها نتاجًا لعمل الإنسان وجهده، يقول الله تعالى «وأَن ليس للإنسان إلا ما سعى».

تشهد البشرية على امتدادها جموعًا من الشخصيات الناجحة، التي جعلت النجاح روتينًا في حياتها، والإنتاج أسلوبًا وعادةً، نسمع أن العالم فلانًا (فيزيائي وعالم فلك وعالم كيمياء)، والعالم علانًا (أكبر عالم في المجال…، وأيضًا في المجال…) فلو تحدثنا عن إسحاق نيوتن، فيمكنك القول إنه فيزيائي عالم رياضيات، عالم فلك، فيلسوف، كيميائي، لاهوتي.

قدم كتابه (الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية) ليصبح الكتاب الأكثر تأثيرًا في تاريخ العلم، ناهيك عن مساهماته الهامة في مجال البصريات، ووضع أسس التفاضل والتكامل، وقام بصياغة قوانين الحركة وقانون الجذب العام، وقام بصناعة أول مقراب عاكس عملي، ووضع نظرية عن الألوان، كما صاغ قانونًا عمليًا للتبريد، ودرس سرعة الصوت.

ولو انتقلنا للحديث عن إسحاق عظيموف، إذ يعد من أكثر الأدباء غزارة في الكتابة، حيث قدم أكثر من 500 كتاب، بالإضافة لما يقارب 90 ألف بطاقة ورسالة، فهو عالم كيمياء حيوية، وروائي وكاتب سير ذاتية، وكاتب خيال علمي، وكاتب سيناريو، وأستاذ جامعي، وصحفي.

يتبادر إلى أذهاننا، وخصوصًا الأشخاص الذين يطمحون ويسعون لينضموا إلى مركب الأشخاص المؤثرين على مد البشرية، ذلك المسار العظيم، والطريق السويّ، الذي يذهب بهم إلى هناك، عند سماعهم هذه الإنجازات الخارقة، ومرورًا على الفوارق، والمعيقات لدى أولئك، وشبه انعدامها لديهم، يصبح الشخص منهم في حيرة من أمره، ويبدأ يتساءل، هل كان من قبلنا يملكون عقولًا أنضج، وأوعى وأدرك؟ هل كانوا يعيشون أعمارًا مديدة ليقدموا ما قدموه؟ هل صعوبة الوصول إلى المعلومة لم تكن إلا مجرد كذبة؟! ويخرج أحدهم مهزومًا، ولا يجد جوابًا جديرًا بأسئلته الغزيرة؟!

على الرغم من أن ساحات الإنترنت تكاد تمتلئ بالمحتويات التحفيزية، والتنشيطية للأشخاص للتوجه نحو أهدافهم، والشروع في مرادهم متناسين الانهزامات ومتفادين المعيقات، إلا أن قليلًا ممن يقدمون هذه المحتويات، يلامسون نقاط التباطؤ والمعيقات (الحساسة) مبتعدين عن العبارات غير المجدية (خليك ورا حلمك، صاحب الطموح لا يهدأ، العالم مليء بقصص النجاح لكنه ينتظر قصتي!).

من دافع خبرة اكتسبتها، ومن باب (إن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، جئتكم بمعضلتين يلتبس الكثير من الناس دمجهما بعضهما ببعض، ولو حسيًا، إذ تؤثران على المستوى البعيد تأثيرًا عظيمًا، وتكادان تفرقان بين (الكاتب، والأديب) و(الهاوي، والمحترف) و(المتخصص، والعالم).

• أولًا: (الفارق بين التخلص من التسويف، والعمل بالأولويات)

يقول قائل، أتعبتنا وأنت تمهد لمعلومتك السحرية، وتقول الآن الفرق بين هاتين المعلومتين، ومن منا لا يعلم الفرق بينها؟
سأقول لك، إن التخلص من التسويف، أي قيامك بالأعمال في أفضل توقيت يُخرج من منظومته أيّ تأجيل لتلك المهمة، بدون أن ترتب أولويات الأعمال بالأهم، ثم الأقل أهمية، ليس كافيًا للوصول لمبتغاك.

بالمثال يتضح المقال، فلنفرض أن شخصًا من الناس كان ينوي الوصول لخبرة في مجال برمجة الحاسوب في فرع الأمن والحماية، لكي يستطيع اجتياز الاختبار الذي سيعقد بعد خمسة أشهر، يؤهله للانضمام لمنحة تعليم مستوى عالٍ في ذلك المجال، لنعمل مع هذا الشخص على قاعدة (عدم التسويف) عقد النية للحصول على المنحة، وبدأ قاتلًا التسويف، الشهر الأول، قام بدراسة دالات برنامج الإكسل، كونهم قليلين من يفقهون بها، وسيكون مميزًا بين رفاقه في خبرته بهذا المجال، أنجز في هذا الشهر ما لا يمكن لشخص عادي القيام به، أنهى الشهر الثاني بتعرفه على جميع الشخصيات الناجحة في مجال تكنولوجيا المعلومات، ودرس جميع شؤون حياتهم حتى صغائرها، انتهى الشهر الرابع بتعلمه أساسيات اللغات الجديدة في مجال البرمجة، ووقف أمام شهره الأخير قبل الاختبار لمنحته، ولم يكد يستطيع أن ينهي أساسيات الحماية في لغة واحدةٍ من لغات البرمجة، وإذ به لا يتقدم للامتحان لعلمه أنه لم يلم بما يؤهله لخوض الاختبار.

ويقول نفس الشخص مرة أخرى، إن هذا يكاد يكون واضحًا. ولكن تقع المشكلة في الفوارق الصغيرة، في الساعات والدقائق، نعم الدقائق التي تقضيها بعيدًا عن الهدف الأساس، ولا تشعر بالأسى كونك بعيدًا عن التسويف! ولكن كل عمل كبير هو عبارة عن اجتهاد متواصل من بعض الثواني التي تكوّن الدقيقة، وبعض الدقائق التي تكون الساعة وبعض الساعات التي تكون اليوم ومن ثم العمل بأكمله.

«رتب الأولويات، وإياك أن تزيغ أعينك عن أهمها».

• ثانيًا: هناك فارق كبير، وكبير جدًا بين استغلال الوقت، وتنظيم الوقت.
يفرح الواحد منا عندما ينضم لمجموعة من الناس في مكان انتظار، أو تجمع أيًا كان، ويقوم بقراءة كتاب إلكتروني، أو مقال لم ينهه، ويرى الناس من حوله تضيع الوقت بالقيل والقال، وتهدر الدقائق الثمينة بلا أي فائدة، إذ يرى الشخص نفسه في قائمة الناجحين، أو على الأقل في طريق من يسعون لذلك، ويرى تقدمه عليهم وإنجازه واستغلاله للوقت، ولكنّ الدقائق القليلة التي تستغلها، على أهميتها، لن تصنع لك نجاحًا، أو ترمي بك في قائمة المؤثرين، إذا لم تقم بعمل جدولةٍ تنظم أعمالك ووقت قيامك بها، فالإنجاز كما قلنا سابقًا يحتاج للعمل بالأولويات، أيضًا يحتاج إلى تنظيمٍ للوقت تعطي لكل دقيقة وظيفتها التي سترمي بك من الهواية للاحترافية إلى ما شئت من سبيل.

فالخطة في تنظيم الوقت تدعوك لوضع النتيجة وصناعة المسار الذي تتطلبه تلك النتيجة، في حين استثمار الوقت دون السير على خطة مسبقةِ الصنع، يجعل العمل والدّأبَ يذهب ذهاب الرياح.

وأمّا عن وضعك للنتيجة فلا ضير أن تَصدر من الأحلام والرؤى إذ من المفترض أن تكون مصدر إلهام لكثير من الاختراعات كإلياس هاو الذي صمم وفق ذلك آلة الخياطة وأيضًا اكتشاف أوقست كيكول للبنزين.

والله ولي التوفيق.