لقد أسهمت «الثورات» التي عرفتها بعض البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سنة 2011 في الرفع من مستوى الحذر في التعامل مع المطالب الشعبية المعبر عنها في الفضاءات العامة (الشارع) كما أسهمت في الرفع من مستوى المطالب والتطلعات في البلدان الأخرى؛ التجربة المغربية في هذا الصدد كانت أقل كلفة مقارنة بباقي التجارب التي آلت فيها الأوضاع إلى العنف والحرب الأهلية أو الانقلاب على نتائج الانتخابات أو الانقسام السياسي. في الآن ذاته كانت الاستجابة للمطالب التي رفعها المحتجون لا ترقى لمستوى التطلعات مما يبقي إمكانية عودة الاحتقان الاجتماعي قائمة في أي لحظة.

لقد اختارت الدولة المغربية منذ البداية تفادي الصدام من خلال إجراء إصلاحات دستورية «فريدة» من نوعها في التاريخ السياسي المغربي؛ حيث تنازلت الدولة من خلاله عن بعض من صلاحياتها لفائدة الحكومة المنتخبة عن طريق الاقتراع العام المباشر، هذا الهامش الذي تم فتحه في تلك الفترة كشف مع مرور استحقاقين انتخابين ومجموعة من التشكيلات الحكومية بقيادة نفس الحزب (العدالة والتنمية) عن حجم اللا توافق الموجود داخل مثلث أو هرم السلطة السياسية الذي يتشكل من الدولة والطبقة السياسية (الأحزاب والمجتمع المدني) وأخيرًا الشعب (المواطنون).

على إثر ذلك يمكننا أن نستنتج أن هناك صراعًا يكون خفيًا ومضمرًا في معظم الأحيان ومعلنًا في بعض المناسبات بين هذه الإرادات الهرمية الثلاث، على اعتبار أن الهرم يتكون من عدة واجهات؛ وجه واحد هو ما يظهر لنا أما الواجهات الأخرى فهي تمثل العمق أو الامتداد الطبيعي لتفاعل باقي الواجهات (التاريخ، الدين، الثقافة، العرف، الصراع المصالحي…) وتأثيرها وتأثرها بالإضافة لدور العوامل الخارجية على كل منها.

بناء على هذا الطرح، فإن هذا الصراع أو عدم التوافق غير مؤطر بالقانون ويقوم على قواعد ضمنية غير مكتوبة وغير مقيدة وجوبًا بالدستور وغير مؤطرة بالقوانين وإنما هي مزيج بين المقتضيات الدستورية، التقاليد السياسية، العرف، الدين، والتقديرات الظرفية السياسية الاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية، مما يجعل رأس مال البلد (الاستقرار السياسي) في تهديد مستمر.

الدولة.. حتمية السمو

منذ خطاب 9 مارس (آذار) والقيام بتعديلات دستورية وإجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها فاز بها حزب إسلامي (العدالة والتنمية)، وبالتالي ترأسه الحكومة ومنح (الأحزاب) بعض الهامش وبعض الامتيازات للمشاركة في الحكم أو ممارسة السلطة لم تكف الدولة بناء على التجارب التي مرت عن المشاكسة ومحاولة استرداد ما تنازلت عنه تحت ضغط الثورات العربية، فمتى كانت هناك مراحل تنازلات عن صلاحيات إلا ومباشرة تتلوها حركية من أجل استعادتها، فقد كانت هناك دائمًا جدلية التنازل وإعادة تملك هذا التنازل، بداعي أن الأحزاب السياسية وحدها لا تزال قاصرة وتفتقر للمشروع السياسي والمجتمعي ولا تتوفر على الثقافة الديمقراطية وتضم نخبًا انتهازية لا يمكن أن تسلم لها الدولة السلطة التنفيذية جملة لتسيير البلاد وفق المنطق الذي تسير به الأحزاب شؤونها الداخلية.

والدستور المغربي في هذا الصدد واضح تمامًا كما صوتت لصالحه معظم الأحزاب السياسية والذي أوكل ممارسة السلطة التنفيذية لكل من الملك باعتباره رئيسًا للدولة ورئيس الحكومة المنتخب، وقد تجسد ذلك من خلال إقحام فاعلين سياسيين حزبيين وغير حزبيين في اللعبة السياسية أو السماح لهم بطريقة أو بأخرى (خصوصًا بعض الفاعلين الاقتصاديين وما يسمى بأحزاب الإدارة) واستخدام وسائل تقليدية وحديثة لاحتكار السلطة التنفيذية بدل تقاسمها مع الحكومة (المنبثقة عن صناديق الاقتراع) وفق المقتضيات الدستورية وإن كان هذا الأمر تتحمل مسؤوليته بدرجة أولى الحكومة التي لم تمارس بشجاعة كل الاختصاصات التي خولها الدستور.

فالدولة تنهج سياسة الانفتاح والانغلاق حسب المراحل كما أنها دائمًا ما تجدد من آليات اشتغالها ووسائل عملها بحسب الظرفية والأحداث داخليًا وخارجيًا، رغم وقوع مجموعة من الأحداث والأزمات (منذ حراك 20 فبراير (شباط) حتى حراك الريف وغيرها) التي «خدشت» شرعيتها ومست هيبتها (الدولة) رغم ذلك فهي لا تزال صامدة ولم تفقد أيًا من سلطها ونفوذها يقوى يومًا بعد يوم نظرًا لمجموعة من الاعتبارات، رغم أن الإصلاحات الدستورية توحي بأن الملكية تنازلت عن بعض من صلاحياتها لصالح رئيس الحكومة المنتخب والتعبير مرارًا عن الرغبة في إرساء إصلاح سياسي اجتماعي واقتصادي هيكلي والتشبث بسردية «الاختيار الديمقراطي» التي أصبح منصوصًا عليها في الدستور (الفقرة الثالثة من الفصل الأول) إلا أن هناك بونًا شاسعًا بين النص وبين الواقع والممارسة.

 الشعب.. ضرورة الارتقاء

من الملاحظ أن هنالك توجهًا عامًا نحو التبخيس المسبق من حكومة سعد الدين العثماني (الحكومة الحالية) والتقليل من عملها وعدم إعطائها قيمة سياسية خاصة بعد اندلاع أحداث الريف الأخيرة، كتلك التي كانت تتوفر لدى حكومة بنكيران (الحكومة السابقة) كحكم مسبق بالفشل رغم أنها في بدايتها بدواعي أنها تفتقد للشرعية السياسية وأنها جاءت على أنقاض حكومة تمت «عرقلة» تشكيلها، وأن رئيسها يفتقد لآليات التفاوض السياسي وتقنيات الخطابة والاستعراض والفرجة والبوليميك وأنه لا يتقن الوسائل الصدامية مع الدولة أو مع باقي الفاعلين في الحقل السياسي على رأسهم المعارضون الرسميون (السياسيون) أو غير الرسميين (التكنوقراط والنخب وقوى «التحكم»…) وأنه ربما لا يستطيع الحفاظ على الرصيد الرمزي الشعبي و«الشعبوي» الذي راكمه سلفه أو التموقع في مقدمة «وسط الهرم» كممثل للفئات التي تشارك في الانتخابات وكسب المواجهات والمفاوضات مع باقي الإرادات المكونة للهرم السياسي المغربي، على اعتبار أن الديمقراطية أصبحت في التمثل العام تحيل إلى الفرجة والقوة والصراع والتفاوض والكولسة وتسجيل المزيد من المكاسب في سبيل امتلاك المزيد من السلطة والظفر بالامتيازات التي توفرها المشاركة السياسية وفق القواعد المتعارف عليها.

ذلك، وإذا كانت الحكومة قد جاءت بإرادة ملكية وفقًا لصلاحياته الدستورية كـ«رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية» (الفصل 42 من الدستور) وأن المشاركين في الانتخابات خصوصًا منهم أعضاء الحزب وتحالفهم المكون من حزب العدالة والتنمية، حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، ومن صوت لصالحهم يعتبرون أن هذه الحكومة وأحزابها (خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التجمع الوطني للأحرار) لا تمثلهم ولا تمثل «الإرادة الشعبية» بعد أشهر من الفراغ السياسي وبالتالي عدم توافق اختيارات رئيس الدولة الذي لم يجد سوى إعفاء الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات بعد عجزه عن تشكيل ائتلاف حكومي وإيجاد توافق سياسي عقب تشريعات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، من أجل تجاوز مأزق تشكيل الحكومة الذي امتد سبعة أشهر وكاد يدخل البلاد في المجهول.

وبالتالي عدم تقاطع أو إرادة الدولة (الملك) مع الإرادة الشعبية التي تم التعبير عنها من خلال صناديق الاقتراع ورجحت كفة حزب السيد بنكيران رغم أنه ليس في ذلك ما يخالف الدستور. فما كان يتوجب على من اعتبر (حزب العدالة والتنمية) أن شرعيته تم السطو عليها سوى التعبير بشجاعة عن ذلك واتخاذ موقف واضح إما بالبحث عن تحالفات بديلة آنذاك أو الاصطفاف في المعارضة أو حتى وضع مسافة مع الحكومة والإقرار بذلك حتى تترجم «إرادتهم» المتمثلة أساسًا بالإبقاء على السيد بنكيران على رأس الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية حسب الوزن الانتخابي وحسب عدد المقاعد المحصل عليها داخل التحالف المشكل للحكومة صونًا للاختيار الديمقراطي ولأصوات الناخبين ووفاء لمبادئهم ووعودهم الانتخابية… – بدل وضع رجل في الحكومة وأخرى في المعارضة والاستسلام والتباكي والرضوخ للأمر الواقع والمشاركة والتصفيق في هذا السيرك الرديء الذي كان وما زال يملأ المجال السياسي بالكثير من الثرثرة السياسية والنشاز والسخط على الأوضاع القائمة.

دون أن يفضي ذاك لأي تقدم ملموس في الديمقراطية أو تعزيز للحريات أو ضمان الحقوق الأساسية للمواطن واستثمار المكتسبات منذ انطلاق تجربة الحكومة الأولى، فبدل أن يدس السياسيون (الأعضاء والداعمون لحزب العدالة والتنمية وتحالفهم الانتخابي) رؤوسهم وراء تدوينات مواقع التواصل، في محاولة للهروب إلى الأمام والكيل بمكيالين وممارسة ازدواجية في الخطاب والاستغباء نحو طبيعة الممارسة السياسية وقواعد اللعبة الصريحة والضمنية التي كرسها دستور 2011 وأكدتها الممارسة، كما ساهمت تجربة حكومات السيد بنكيران بدورها في الوصول لهذه الوضعية، وفي ترسيخها والتأسيس لها منذ انتخابات 25 نوفمبر (تشرين الثاني) وتعديل الدستور واندلاع حراك 20 فبراير من خلال: أولًا استغلال نضالات الشارع وممارسة الحد الأدنى من الصلاحيات، ثم ثانيًا بالحصيلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية غير المشجعة لحكوماته مما انعكس على نسبة المشاركة في الانتخابات التي تظل غير معقولة ولا تتماشى مع طبيعة الخطاب السياسي الرسمي المحتفي «بالاستثناء المغربي».

«فرئيس الحكومة ما زال لا يمتلك السلطة. فقط بعض الصلاحيات في بعض المجالات؛ وهو فقط عضو في مجلس وزاري يترأسه الملك فهذا هو الدستور المغربي، وهذه صلاحيات رئيس الحكومة، ومن يُرِد صلاحيات أوسع أو أمورًا أخرى فعليه أن يطلب تغيير الدستور الحالي» كما عبر السيد بنكيران في إحدى المناسبات والذي أكد كذلك «أنه خلال عمله رئيسًا للحكومة لم يكن يعلم بكثير من القرارات» (في إشارة لمشروع الحسيمة منارة المتوسط الذي عرف اختلالات تلاها زلزال سياسي نتج عنه إعفاء العديد من الوزراء والمسؤولين عقب اندلاع احتجاجات مدينة الحسيمة).

بالتالي، أمام كل هذه الرمزية والالتباس والغموض واللاتوافق الذي يطبع مجال السياسة حاليًا، وجب على الساسة وصناع القرار ومعهم الناخبين أن يواجهوا حقيقة أن اختياراتهم السياسية وتجربتهم الديمقراطية قد فشلت حتى الآن، الموسومة بـ«الإصلاح في ظل الاستقرار» فصامويل هنتغتون مثلًا يعتبر أن ترسيخ الديمقراطية رهين بمرور تناوبين، على الأقل، على السلطة بعد الانتخابات الحرة الأولى هو الشيء الذي لم يتم في التجربة المغربية. بنفس فلسفة «فصل السياسة عن الديمقراطية» وبنفس عقليات «العهد القديم» حيث صعوبة الانفصال عن الماضي وغموض ما يريده المنتخبون فعلًا.

حيث إنه كان دائمًا «هناك تسييج بنيوي للنخب يفضي في أحسن الحالات إلى تجديد الأشخاص لا تغيير قواعد اللعبة أو الباراديغم، فميكانيزمات الانتقاء داخل الأحزاب وضحالة وعي الجماهير وهشاشة أوضاعها وعدم تأطيرها، كلها عوامل لا تفضي بالضرورة لاختيار أحسن العناصر» فالقاعدة (الشعب) هي من تحدد وتؤثر على من هو بالأعلى منها  وكل شعب ينال الحكومة التي يستحقها في نهاية المطاف.

بالإضافة إلى أنه يستحيل بناء نظام سياسي جديد أو تشييد مجتمع جديد بمواطنين ونخب من النوع القديم أو بأفكار وأخلاق وسلوكيات قديمة أو متخلفة.

 المنتخبون.. تحت الدولة تحت الشعب

من بين الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الفاعلون السياسيون، خاصة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات؛ إنهم مباشرة بعد فتح هامش المشاركة السياسية بصلاحيات أوسع من ذي قبل، راحوا يركزون اهتماماتهم على كسب الانتخابات والحصول على المركز الأول – وإن كان ذلك هو الهدف الرئيسي للحزب السياسي حسب المفهوم الكلاسيكي – من أجل ترأس الحكومة وقيادة المرحلة التي تعتبر «تأسيسية» والاستفادة من الامتيازات. وقد سخروا من أجل ذلك كل إمكانياتهم المادية والرمزية، كل حسب مرجعتيه وخلفيته السياسية والأيديولوجية وما يملكه من رصيد شعبي وثقافي وتاريخي وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ مما أدخل البلاد في دوامة من الصراع المصالحي والحرب المعنوية والعنف الرمزي بين مختلف الفرقاء داخل نفس «وسط الهرم» متجاهلين الأهم، وهو تمثيل الشعب «القاعدة» في التفاوض السياسي مع «رأس الهرم» من أجل تأويل ديمقراطي وتطبيق سليم ومتقدم للقواعد الدستورية المستفتى حولها وجني المزيد من المكاسب وتعزيزًا للحريات والحقوق وتكريس سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة وتحقيق شروط دولة المواطنة. ومن أجل وضع اللبنات الأولى للممارسة الديمقراطية وللنجاعة السياسية والتأصيل لسلوك سياسي حضاري حديث قوامه المنافسة الشريفة بين المشاريع والبرامج والأفكار، من أجل تقديم عروض أفضل للمواطنين بغية تحقيق التناوب الديمقراطي المنشود.

ذلك ولما فشلت المؤسسات الوسيطة هذه (تحت الدولة فوق الشعب) في القيام بأدوارها في تمثيل المواطنين في المؤسسات المنتخبة والتعبير عن أصواتهم وتطلعاتهم والاستجابة لمطالبهم الملحة لدى صانعي القرار، ومع اتساع الهوة بينها وبين عامة الشعب ومع تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفئات المهمشة، فلم يكن لدى هذه الأخيرة من بد سوى تجاوز تلك المؤسسات التي فقدت قيمتها ومشروعيتها وأصبحت مجرد «دكاكين انتخابية»، على أثر ذلك فالدولة أصبحت في مواجهة مباشرة مع الشارع هذا الأخير أصبح يوجه رسائله مباشرة إلى الدولة ولا يعير اهتمامًا للحكومة والأحزاب وأصبح رئيس الدولة معنيًا بشكل غير مسبوق أمام المحتجين والخطاب أصبح يوجه مباشرة لمجسد «رأس الهرم» وهو ما حدث مع «حراك الريف» واستمرار الاحتجاجات وفشل الحوار والوساطات في حلحلة الوضع.

خلاصة ذلك، إن معادلة التعايش السياسي والمجتمعي قد وقع فيها اختلال جوهري وفجوة عميقة ومعقدة تمثلت في الانهيار التدريجي لـ«وسط الهرم» السياسي ما جعل الدولة في ورطة المواجهة مع الشارع، مما يزيد من ضيق الفجوة بين الشعب وبين الدولة والتي نتجت أساسًا من جراء غياب التوافق بنفس الوتيرة (أو أكثر) التي طبعت مرحلة ما بعد «الربيع العربي» التي احترمت فيها المنهجية الديمقراطية (اختيار الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات رئيسًا للحكومة) مما يؤثر على الاستقرار وذلك على غرار «فجوة الاستقرار» التي تحدث عنها صامويل هانتغتون ضمن نظريته في «الفوضى الخلاقة» وهي الفجوة التي يشعر بها المواطن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون فتؤثر تلك الهوة وتنعكس بتقلصها أو اتساعها على الاستقرار بشكل أو بآخر فاتساعها يولد إحباطًا وسخطًا في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة الاستقرار ودفع الشعب إلى الاحتجاج، الشيء الذي سيؤدي حتمًا لإحداث تغيير جذري أو «زلزال سياسي» حقيقي يصيب الهرم السياسي برمته.

على أثر ذلك ينبغي التأكيد على أن مشاعر الاحتقان قد تتحول في أية لحظة إلى مطالب سياسية غير منتظرة يعبر عنها في الشارع – على غرار تلك التي رفعت خلال حراك 20 فبراير إبان فترة الثورات العربية – مما يقود إلى مزيد من الفوضى التي يرى هانتنغتون أنها ستقود في نهاية الأمر إلى استبدال قواعد اللعب واللاعبين مما يجعل الاستقرار السياسي على المحك.

في الختام ليست هناك تجربة انتقالية في العالم لا تنبني على خارطة طريق تكون دليلًا للفاعلين والنخب والقوى المختلفة المؤثرة في السياسة والاقتصاد وما يتشكل بينهما من مواقع قوة ونفوذ بمعنى ليس هناك انتقال ديمقراطي إلى ما لانهاية كما تنبئنا بذلك التجارب المقارنة التي لا يتجاوز معظمها خمس أو سبع سنوات على الأكثر وهي مدة كافية للتفاوض على الإشكالات الكبرى مثل وضع الدستور وتوزيع السلط والثروة.

لقد كان المأزق الحالي في المغرب متوقعًا ليس فقط بسبب غياب مشروع سياسي مجتمعي متكامل ومتفق عليه، بل أساسًا بسبب غياب التوافق الذي كانت تقتضيه المرحلة الأخيرة بالإضافة لانعدام الوضوح في القواعد والأهداف وانعدام جدولة زمنية لمختلف المراحل المراد قطعها قبل الوصول إلى الضفاف الآمنة للديمقراطية وتتطلب هذه الجدولة وحدها مخاضًا سياسيًا ومجتمعيًا لا يستهان به، ربما أكبر من ذلك الذي طبع مرحلة المشاورات من أجل كتابة دستور 2011.

فبقدر ما يكون التوافق بين الفرقاء متوفرًا وبقدر ما تكون الجوانب الدستورية والسياسية والمؤسساتية واضحة بقدرهما تكون الممارسة سليمة وناجعة ومثمرة.

إن انعدام التوافق والغموض الذي أصبح يطبع مواقف وممارسات وسلوك الفاعلين كما يطبع قواعد اللعبة برمتها ومنطق التنافس السياسي انعكس بشكل مباشر على جدوى السياسة ونجاعتها وتطورها، بالتالي فإن المرحلة تتطلب حدًا أكبر من التوافق كما تتطلب الكشف عن الدستور الضمني الذي يخضع له أو يمشي وفقه النسق السياسي المغربي ويحكم الحياة السياسية ويحكم سلوك الفاعلين وأدوارهم بكل وضوح بعيدًا عن الترميز أو الإبهام أو الخلط أو الالتباس، حيث وضوح المواقف وحيث يصبح اقتسام السلط وتوزيعها يتم بطريقة واضحة مما يمكن من تحديد المسؤوليات ويكشف مكامن الخلل وبالتالي القيام بالإصلاحات اللازمة وإخضاع المسؤولين للمحاسبة، مما يشكل ضمانة أساسية لاستقرار سياسي حقيقي ومستدام.