جرائم النظام السوري بحق السوريين واستخدام الغازات السامة في إبادتهم، فضحت المجتمع الدولي وأعلنت وفاة الضمير الإنساني، فما هو ذنب مئات الأطفال والمدنيين الأبرياء الذين قتلوا مؤخرًا بالغوطة الشرقية وقتلوا قبلها بالغازات السامة في خان شيخون وغيرها من المدن السورية التي أصبحت أثرًا بعد عين؟ وإلى متى سيستمر الصمت على جرائم الأسد في سوريا؟!

والمأساة الإنسانية في سوريا مستمرة منذ سنوات، أثبتت للجميع أن السفاح بشار الأسد يسير على خُطَا والده الهالك حافظ الأسد الذي قتل حوالي 40 ألفًا من السوريين في مدينة حماة عام 1982م.

وجرائم بشار الأسد وحلفائه ربما تكون غير مسبوقة في التاريخ، فالنظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا عشرات المرات ضد الشعب الأعزل الذي يحكمه بالحديد والنار منذ سنوات، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الهجوم الذي تعرضت له منطقة الغوطة الشرقية بغاز السارين السام في 21 أغسطس (آب) عام 2013 وتسبب في مقتل نحو 1400 من المدنيين السوريين، ثلثهم من الأطفال والنساء.

والتقارير الحقوقية تُشير إلى أن نظام الأسد استخدم الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليًا أكثر من 160 مرة، وعدد كبير من هذه الجرائم وقع بعد إصدار مجلس الأمن لقراره رقم 2118 في 27 سبتمبر (أيلول) 2013، والذي أدان هجوم الغوطة الشرقية، وأيد قرار منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالقضاء على المخزون الكيماوي الموجود لدى النظام، وحذر النظام في سوريا من استخدام الأسلحة الكيماوية.

وتدني الأسد ونظامه غير مسبوق، فقد استخدم أسلحة محرمة دوليًا في قتل السوريين، واستخدم وسائل بدائية قذرة في قتلهم وهدم منازلهم على رؤوسهم وهم نيام بالبراميل المتفجرة التي قال عنها أحد زبانيته إنها وسيلة رخيصة وفعالة للقتل!

وجرائم الأسد بحق السوريين قُوبلت بخذلان عربي غير مسبوق، فلم ينتصر لهم أحد، ولم يتحرك أحد منهم لا على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي لوقف آلة القتل التي تحصد أرواح السوريين الأبرياء منذ أكثر من خمسة أعوام.

وموقف الشعوب العربية تجاه الأزمة السورية موقف مريب، ويُظهر الجميع وكأنهم راضون عن الأحداث المأساوية في سوريا أو على قناعة بأن ما يحدث لهم قدر محتوم لا مفر منه، وهو مؤشر خطير ينبئ بمصير حالك ومأساوي للشعوب في الدول العربية الأخرى المرشحة للفوضى والدمار بعد العراق وسوريا.

والموقف المشرف من الأزمة السورية هو موقف دولة قطر وموقف تركيا، وجهودهما في دعم ومساندة اللاجئين الفارين من ويلات الحرب، وسعيهما من أجل حقن دماء السوريين، ومطالبتهما بمحاسبة الأسد على جرائم الحرب التي يرتكبها بحق السوريين.

والموقف الدولي من الأزمة السورية يدل على وجود تواطؤ دولي تجاه سوريا، ولو كانت هناك رغبة حقيقية من قبل ما يسمونه المجتمع الدولي لحماية الشعب السوري لتم فرض حظر جوي على طيران النظام الوحشي الذي يقتل ويدمر ويعيث في الأرض فسادًا دون رادع، أو على الأقل إنشاء ممرات ومناطق آمنة للسوريين الفارين من ويلات الحرب ومناطق الصراع.

والأزمة السورية كشفت وهم وزيف المجتمع الدولي الذي يتحدثون عنه، واتضح للجميع أن المجتمع الدولي ما هو أداة ووسيلة للحفاظ على مصالح القوى الكبرى في العالم، وأن هذا المجتمع لا ينحاز للقضايا العادلة وإنما ينحاز لمن يملكون القوة فقط، ومن الدلائل الصارخة على ذلك مرور عقود من الزمن على قضية فلسطين وهي أعدل قضية مطروحة في العالم.

والهجمة الشرسة على المنطقة العربية وبخاصة الدول المحورية فيها كالعراق وسوريا ومصر، ومحاولات إضعاف وتفتيت هذه الدول وإخراجها من دائرة التأثير والفعل وصنع الأحداث، دليل على رغبة القوى الكبرى في أن تظل هذه الأمة مغيبة لأطول وقت ممكن.

ومعركة العرب الحالية معركة وجودية، فجميع القوى تكالبت على المنطقة ودولها

ولم تتركها حتى وهي تعيش حالة من الضعف والهوان، والثورات العربية التي انطلقت قبل سنوات في عدد من الدول العربية أفزعت القوى الكبرى التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لمصالحها في المنطقة، فسعت بكل ما أوتيت من قوة لإجهاض الثورات العربية وإعادة الشعوب الثائرة إلى الحظيرة مرة أخرى، وذلك من خلال الدعم المباشر للطغاة والمستبدين والمجرمين، والصمت على جرائمهم بحق الشعوب العربية.

والصراع في سوريا يمثل مرحلة مفصلية من مراحل الحرب المعلنة على الإسلام بصفة عامة وعلى السنة في المنطقة بوجه خاص، وسوريا أصبحت ساحة للجهاد في سبيل الله، والمجاهدون والصامدون في الغوطة الشرقية يواجهون الطغيان والاستبداد ويواجهون سفاحًا من الداخل ومجرمين وقتلة من الخارج، ومن فضائل الغوطة والشام التي وردت في السنة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ فسطاطَ المسلمِين يومَ الْمَلحمةِ بالغُوطةِ، إلى جانبِ مدينةٍ يُقالُ لها دِمشقُ، من خيرِ مدائنِ الشَّامِ». صحيح الجامع: 2116.

ومواجهة التحديات الخطيرة والمستقبل المجهول والمظلم الذي ينتظر المنطقة العربية تتطلب الوعي بحجم التحديات والمخاطر المحدقة بالمنطقة، والسعي الحثيث من أجل التحرر من الاستبداد والفساد والطغيان، والعمل الدؤوب من أجل امتلاك أسباب القوة التي تحمي الأوطان وثراوتها، وتجعل للمواطن العربي قيمة داخل وطنه وخارجه.