في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ظهرت الخوارج كمذهب تكفيري وكفَّروا كلَّ مَنْ لَـمْ يَحكُم بما أنزل الله تعالى، بل كفَّروا كلَّ مَن لم يَحكُم بما فهِموه هُمْ مِن كلام الله تعالى، فكفَّرُوا بذلك جلَّ الصحابة، كفَّروا عليًا ومَن مَعه كابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وأبي موسى الأشعري، وكفَّرُوا معاوية بن أبي سفيان ومَن معه كعمرو بن العاص وابنه عبد الله وغيرهم، وسفكوا دماء المسلمين وبقروا بطون الحوامل، مستدلين في كل ذلك بقوله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) [سورة الأنعام:57 وسورة يوسف:40] وقوله عزَّ وجلَّ (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة:44].

وقد ذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين أن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ذكر رحلته إلى الْحَرُورِيَّةُ – وهم فرقة من الخوارج خرجوا على سيدنا علي وكفروه، ذهب إليهم وقد اجْتَمَعُوا فِي دَارٍ، وَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرْ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مُسْهِمَةٌ وجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، كَأَنَّ أَيْدِيَهِمْ وَرُكَبَهُمْ تُثَنَّى عَلَيْهِمْ، ثم سألهم ابن عباس: أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: ثَلَاثًا. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحَكَمِ؟ فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ – أي لم يأخذ نساءهم سبايا – وَلَمْ يَغْنَمْ – أي أموالهم -، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِي قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ. قُلْتُ: هَذِهِ اثْنَتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رَدَّ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ فِي أَرْنَبٍ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إِلَى قَوْلِهِ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [سورة المائدة: 95] فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ، أَمْ حُكْمُهُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ؟ وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [سورة النساء: 35] فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَأْمُونَةً، أَخَرَجْتُ عَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أَمَّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [سورة الأحزاب: 6] فَأَنْتُمْ تَدْورُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ أَيُّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا، صِرْتُمْ إِلَى ضَلَالَةٍ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، وَأُرِيكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: «اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ، وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ». رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين – كتاب قتال أهل البغي وهو آخر الجهاد، حديث: ‏2588‏، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ
يُخَرِّجَاهُ.

وبعد إسقاط الإنكليز وأذنابـهـم للخلافة العثمانية وتقسيمهم الأمة على دول ممزقة ضعيفة، ثم احتلالها من قبل الدول العظمى، ثم تنصيب أذنابـهم حُكَّامًا عليها وإبعاد الشريعة الإسلامية في بعض مجالات الحكم، ظهرت الفكرة التكفيرية الخوارجية كَرَدِّ فعلٍ لإقصاء الشريعة، ثم شرعوا في تكفير كلِّ مَن لم يحكم بتفسيراتـهم للشريعة مستدلين كأسلافهم بتفسيرات خاطئة لتلكم النصوص القرآنية التي استدل بها الخوارج من قبل، واستمر هذا المدّ التكفيري إلى يومنا هذا.

لذا أردت أن أكتب أقوال أهل العلم في أبرز آية استدل بـها هؤلاء، وهي الآية الرابعة والأربعين من سورة المائدة الواردة ضمن ثلاث آيات:

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة: 44].

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة المائدة: 45].

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة المائدة: 47].

أقول:

اتفق العلماء على كفر من جحد حكمًا ظاهرًا ثابتًا بنص قطعي. اتفق العلماء على كفر من رأى في تشريعات الناس ما هو أصلح وأفضل من حكم الله تعالى. اختلفت وجهات أنظار العلماء في حُكمِ مَنْ لم يحكم بما أنزل الله تعالى تَبَعًَا لاختلافهم في فهم الآيات الثلاث في سورة المائدة:

الرأي الأول: ذهب البعض إلى تخصيص الآيات بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولَيْسَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْهَا شَيْءٌ وبه قال: الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ والضَّحَّاك وقتادة.

الرأي الثاني: ذهب الخوارج ومن تبعهم إلى تعميمها على جميع الملل والنحل والحكم بِكُفر مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى بناء على قاعدتهم في الكفر والإيمان أن مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة خالد في النار.

الرأي الثالث: قَالَ الشَّعْبِيّ: الْكَافِرُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّالِمُونَ فِي الْيَهُودِ، وَالْفَاسِقُونَ فِي النَّصَارَى».

الرأي الرابع: ذهب البعض إلى تأويل مصطلحات (الكفر والظلم والفسق) الواردة في الآيات الثلاث بكونها كفرًا وظلمًا وفسقًا غير مخرجة من الملة، وقالوا: إن الآية تتناول مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ وَجَحَدَ بِلِسَانِهِ، أَمَّا مَنْ عَرَفَ بِقَلْبِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّه وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّه، إِلَّا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُضَادُّهُ فَهُوَ حَاكِمٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ تَارِكٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ.

روي هذا عن ابن عباس وعطاء وطاووس وغيرهم، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وابن عبد البر، وأبي بكر بن العربي، والقرطبي، والشاطبي، وأبي المظفر السمعاني، والبغوي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وابن جرير الطبري والفخر الرَّازي والبقاعي، والواحدي، وأبي حيان، والخازن، والحاكم، و الذهبي، والحافظ ابن كثير، والمروزي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن الجوزي، وابن بطة العكبري، وابن أبي العز الحنفي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وغيرهم.

بيدَ أن الناظر في سياق الآيات الثلاث وسباقها بدقة تَظْهَرُ لَكَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الْكُفْرِ فِي الْأُولَى، وَبِوَصْفِ الظُّلْمِ فِي الثَّانِيَةِ، وَبِوَصْفِ الْفُسُوقِ فِي الثَّالِثَةِ، ويظهر له أن كل آية خاصة بحالة معينة، ونستطيع أن نقسمها إلى جوانب ثلاثة كالآتي:

الجانب الأول: الجانب الإيماني بما أنزل الله تعالى من آيات وأحكام، قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة: 44].

من أمعن النظر في هذه الآية الجليلة يظهر له أنها خاصة بالمجال الإيماني الذي هو الهدى والنور، وهو دين الله تعالى الذي يحكم به جميع النبيين والربانيين والأحبار من كافة الأمم المستقيمة على منهج الله تعالى. ولا مرية أن من بلغه دين الله وما أنزل من الهدى والنور ولم يؤمن به ولم يتخذه دينًا، وأنكر بقلبه، وجحد بلسانه، فهو كافر خارج من الملة بلا اختلاف. ويدخل في ذلك كل من لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وكذلك من لم يؤمن بشرع الله أو رأى شرعًا غير الله أتم وأكمل من شرعه – سبحانه وتعالى -.

قال صاحب المنار: «فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى كَانَ الْكَلَامُ فِي التَّشْرِيعِ وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْهُدَى وَالنُّورِ وَالْتِزَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ الْعَمَلَ وَالْحُكْمَ بِهِ، وَالْوَصِيَّةَ بِحِفْظِهِ. وَخُتِمَ الْكَلَامُ بِبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُعْرِضٍ عَنِ الْحُكْمِ بِهِ لِعَدَمِ الْإِذْعَانِ لَهُ، رَغْبَةً عَنْ هِدَايَتِهِ وَنُورِهِ، مُؤْثِرًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْكَافِرُ بِهِ، وَهَذَا وَاضِحٌ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، أَوْ مَنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِهِ عَنْ جَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ، وَهَذَا هُوَ الْعَاصِي بِتَرْكِ الْحُكْمِ، الَّذِي يَتَحَامَى أَهْلُ السُّنَّةِ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.

الجانب الثاني: الجانب التشريعي: قال المولى – عز وجلَّ – (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة المائدة: 45].

والمتأمل في هذه الآية المباركة أدنى تأمل يعلم أنها لا تتكلم عن الجانب العقدي الذي هو أصل أصول الدين الإلهي، بل هي خاصة بقانون العقوبات من الجانب التشريعي المبني على العدل والمساواة في التنفيذ، ولا ريب أن كل من خالف قانون العدل فهو ظالم جائر، ولا علاقة لهذا بالكفر والإيمان، بل بالظلم والعدالة، أما من لم يؤمن بشرع الله أو رأى شرع غيره أكمل منه فهو داخل في مضمون الآية الأولى، وليست هذه الآية الثانية محل الكلام عنه.

قال صاحب المنار: «وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ فِيهَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْإِيمَانِ وَتُرْجُمَانُ الدِّينِ، بَلْ فِي عِقَابِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَعْضَاءِ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ الظَّالِمُ فِي حُكْمِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

الجانب الثالث: الجانب الأخلاقي، وهو ما ترمي إليه الآية الثالثة حيث تركز على الحكم بما أنزل الله في الإنجيل، قال –تعالى – (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة المائدة: 47].

ومعلوم لدى الدارسين أن المسيح – عليه السلام – لم يُبعثْ إلى غير بني إسرائيل، كما صرَّح بذلك المسيح – عليه السلام – نفسه بقوله: «لم أُرسَل إلّا إلى خراف بيت إسرائيل الضالَّة». إنجيل متى: 15: 24. ومِن ثمَّ لمْ يأتِ الإنجيلُ بتشريع جديد، لأن بني إسرائيل كانوا مكلَّفين بتطبيق شريعة موسى – عليه السلام – الواردة في التوراة، ولما بعث المسيح – عليه السلام – لم ينقض شريعة التوراة، بل ركَّز في الإنجيل على تفعيل الجانب الأخلاقي في تعامل الناس بعضهم ببعض.

وقارئ الإنجيل ينجلي له أن الإنجيل عبارة عن مواعظ أخلاقية وليس كتابًا تشريعيًا، ومعلوم أن من لم يراعِ هذا البعدَ الأخلاقي في حياته وتعامله مع الناس فهو فاسق، ولا علاقة لهذا بالكفر والإيمان، بل بالفسق والصَّلاح.

قال صاحب المنار: «وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ فِي بَيَانِ هِدَايَةِ الْإِنْجِيلِ، وَأَكْثَرُهَا مَوَاعِظُ وَآدَابٌ وَتَرْغِيبٌ فِي إِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُطَابِقُ مُرَادَ الشَّارِعِ وَحِكْمَتَهُ، لَا بِحَسَبِ ظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ، مِمَّنْ خُوطِبُوا بِهَا، فَهُمُ الْفَاسِقُونَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مُحِيطِ تَأْدِيبِ الشَّرِيعَةِ».

وفي الختام أضع بين يدي القراء هذه الملحوظات:

الملحوظة الأولى: لا ريب أن هؤلاء الحكام الذين يؤمنون بالله تعالى وبجميع ما أنزل الله ولكنهم لا يحكمون بجميع ما أنزل الله عزَّ وجلَّ ظلمة آثمون مرتكبون للكبائر وسوف ينالهم العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة، والله تعالى قد يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة إلا أنه لا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة – كما قال العلماء -.

الملحوظة الثانية: إن هؤلاء الذين رفعوا راية التكفير لكل من لم يحكم بشيء مما أنزل الله تعالى واتخذوه دينًا، يُكفِّرونَ النَّاس ليس بعدم الحكم بما أنزل الله فقط، بل بعدم الحكم بما يختارونه من آراء اجتهادية بشرية ظنية الدلالة والثبوت.

ثم إننا نقول لهم: هل حصول الإيمان لا يكون إلا بالطاعة الكاملة والتحكيم الكامل أو يكفي في ذلك مجرد الإيمان مع طاعة ناقصة، إن قالوا: لا يكون المرء مؤمنًا إلا بالطاعة الكاملة والتحكيم الكامل لجميع ما أنزل الله، قلتُ لهم: إنكم بهذا تشترطون العصمة في المؤمن بحيث لا يكون المرءُ مؤمنًا إلا إذا كان معصومًا من الصغائر والكبائر، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة وجميع العلماء في جميع الأزمنة، وإذا اشترطتم لصحة الإيمان الحكمَ بجميع ما أنزل الله تعالى، فأروني شخصًا واحدًا قد حكَمَ بجميع ما أنزل الله تعالى في حياته ولم يذنب ولم يعص؟!

أليس من تكبَّر أو ظَلَمَ أو حَسَدَ أو اغتابَ أو نقص في المكيال والميزان أو بَخَسَ حقَّ غيرِهِ أو غشَّ أو كذب أو شرب الخمر أو زنى تاركًا تحكيم ما أنزل الله تعالى! أتعتبرون كل هؤلاء كفرة مرتدين مع أن في الرعيل الأول من الصحابة من شرب الخمر وعصى وأذنب!

الملحوظة الثالثة: إن بعض هؤلاء الغلاة فرقوا بين معصية الحاكم ومعصية الرعية، فكفروا الحاكم حين يترك الحكم بما أنزل الله تعالى، وهذا التفريق بين معصيةِ الحاكم ومعصيةِ الرعية بدعةٌ قبيحةٌ لم يَقُل به أحد من علماء هذه الأمة، فالكفر كفرٌ سواءٌ قامَ به راعٍ أو رعيةٌ، والظلمُ ظلمٌ سواء قامَ بهِ الحاكمُ أو المحكومُ، إلا أنَّ ظلَمَ الحاكم قد يكون أشدَّ عندَ اللهِ تعالى مِن ظُلمِ المَحكومين، إلا أنه يبقى ظُلمًا ولا يرتقِي إلى درجةِ الكُفر إلا إذا كانَ في حقيقته كفرًا.

أسأل الله تعالى لي ولهم المغفرة والهداية إنه الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.