ذلك الاضمحلال الذي تعاصره أمتنا اليوم له جذور قديمة تعود إلى بدء المسألة الشرقية حين نبتت مع هجوم الإفرنج على بيت المقدس، ثم انشغالهم بأنفسهم حينًا من الدهر إلى أن عاودتهم مطامعهم مرة أخرى مع تداعي أمر الخلافة فتلمظوا لتركة الرجل المريض، وجاء نابليون يقطع على خصومه طريق تجارتهم إلى الهند ففطن الإنجليز بعدها إلى دور مصر المفصلي بالنسبة إلى أطراف إمبراطوريتهم، فكان احتلالٌ بعد احتلال عمد فيه المحتل إلى تغيير الهوية وتضييع البوصلة بتمزيق الصلة التي تربط حضارتنا بالدين، وقد عرفوا في الغرب أن قوام الأمر عندنا هو هذه الروح الدينية التي تسري في أوصال المجتمع كالكهرباء فتشع منها مشاعل الحضارة، درس ذلك مستشرقوهم وفهمه جنرالاتهم، فأبدلوا بالروح الإسلامية الشرقية التي لا قيام لنا من دونها، روحًا مادية غربية (إن جاز هذا) صلحت لهم ولا تصلح لنا.

هذه الروح التي تبدلت هي في رأيي مفتاح الفهم للانحطاط العام الذي نراه، وإليها نُرجع كل تقصير كبير أو صغير كما نُرجع فسادَ الثمرة التي نراها فوق المائدة إلى فساد الماء الذي رُويت به شجرتُها، وإن اختلفت الأطر وظُنَّ أن لا اجتماع ولا سبب.

وبعد، فإن الروح الدينية التي أتحدث عنها هي تلك التي اتصلت بالصحراء منذ ألف وأربعمائة سنة فنقلتها من طور إلى طور، وما كان يُظنُّ أن تتحول البادية عن غلظتها ولو طال عليها الأمد لولا تلك الروح التي سرت فيها فلامست موطن الحياة من القلب والعقل، فدبت فيها روح الحضارة منذ ذلك الحين. أما موطن الحياة من القلب فهو ذلك الشعور الديني الممتاز الذي خلَص من مادية اليهود ووثنية النصارى، فجاء كأنقى ما يكون شعورًا يطابق الفطرة السليمة وينجي الإنسان من انفصام تردد فيه بين حمأة النوازع الجِبلِّية وقهر النفس على الرهبانية. وأما موطن الحياة من العقل فجاء من تصويب العلاقة بين العقل وبين الدين وإزالة سوء الفهم من جانب المتدينين الذين يرغمون العقل على التسليم بقضاياهم قسرًا، وبين التنويريين الذين يقفون بالدين على أعتاب العقل وينبذون غرائبه ثم يطوحون به في النهاية.

وتم للغرب التخلص من فصام الروح والمادة، وانتهوا بالعقل إلى شاطئه التجريبي الوضعي وتحرروا من إرهاب رجال الدين بعد أن تناحروا باسمه زمنًا طويلًا، أقول: إنهم جربوا كل سبيل شاق حتى انتهوا إلى بناء حضارتهم المادية (العلمانية) التي تنطلق من تجربتهم التاريخية وتؤسس لخصوصية ثقافتهم، تلك الخصوصية التي يريدون تعميمها ومن ثَمَّ فرضها على أمتنا بتغيير هويتها منذ تجربة نابليون في مصر، التي أسس لها محمد علي عن طريق فرض التحديث الغربي قسرًا على مجتمع تختلف سياقاته التاريخية وتجربته الثقافية عن تجربة الغرب.

هذه الروح المادية (إن جاز ذلك) هي التي رضيها الغرب لأنفسهم وحققوا بها منجزهم الحضاري ونادوا بها كحتمية تاريخية ينتهي بها التاريخ؛ بمعنى أنها الصيغة النهائية للتحولات التاريخية الكبرى، ورأوا أن يفرضوا هذه الروح على العالم عن طريق علمنته تحقيقًا لأغراضهم الإمبريالية الممتدة عبر تاريخهم في الشرق.

إذن، فتجربة الغرب الحضارية انطلقت من الروح المعادية للعقل وانتهت إلى العقل المعادي للروح ومن ثم طوَّحوا بالدين، فخلصوا إلى حضارة مادية (أحادية تشيئية استهلاكية سائلة) ليس لها ثوابت أو قيم حاكمة غير قيمة التسليع والاستهلاك واللذة.

أما تجربتنا الحضارية فانطلقت من الدين بعد أن ناغمت بين الروح وبين العقل وأزالت أسباب الشقاق بينهما، فنتجت تلك الحضارة التي كان مقدَّرًا لها أن تسود الدنيا وتغير وجه التاريخ وتكتب نهايته، لولا أن باخت نارها بعد فقدنا تلك الروح الدينية؛ تقصيرًا من عند أنفسنا وتآمرًا من عند أنفسهم، وهي ليست مؤامرة كونية كما يدعي المتشائمون بقدر ما هي حسن استغلال لقصورنا، فبدلًا من تطوير النموذج الإسلامي الذي كان قد أصابه الضعف والترهل الناتج طبيعيًّا عن التضخم المكاني والامتداد الزماني مع عدم الأخذ بأساليب التحديث التدريجي المتسق مع التجربة الإسلامية على مدار قرنَي التطور منذ فجر الإسلام حتى نهاية العصر العباسي الأول، بدلًا من ذلك تم فرض نظام تغريبي فُرض علينا في الدور الأخير من ضعف الدولة العثمانية، يصور في الظاهر طريقة الإصلاح التي لا بد منها، وهو في الباطن يخدم مصالح الاستعمار ومراكز القوى الاقتصادية المحركة له، ويحطم إمكانية إعادة الروح الدينية التي أشعلت نار الحضارة في أوصال الأمة الإسلامية.

وإذ فقدنا تلك الروح الدينية الطموح المتسقة مع تجربتنا (وهي تجربة عالمية بدليل انضواء الحضارات تحتها واستمرارها في الإبداع مع ذلك)؛ دخلنا في طور اضمحلال طويل تداعت فيه الأمم على قصعتنا، فانتقصتها من أطرافها حينًا ثم ضربت معولها في القلب منها باحتلال مقدساتها، ثم أناخت وبركت وباضت وفرخت، وأرادوا لنا روحًا أخرى خالية من الطموح؛ لأن نهضتنا الدينية (التي تراعي الإنسان في المبدأ والمنتهى) لا تتسق مع نهضتهم المادية المتوحشة (التي تستعبد الإنسان وإن ادَّعت غير ذلك).

ومنذ أدرك الرجل الأبيض أبعاد قوته وهو يحاول فرض رسالته المقدسة على الآخرين، بالتبشير حينًا وبالقوة أحيانًا أُخر، والحروب مظنة الحاجة، والحاجة أم الاختراع، فتولَّد من ذلك التنازع باسم الدين، ثم الاستعمار، ثم التنافس على احتلال السوق العالمية؛ تولدت هذه الصناعات الحديثة التي تتسم بها الحضارة الغربية، فهي حضارة استهلاكية تنتج منجزات مادية، ومنجزات استهلاكية تنتج حضارة مادية، في جدلية متبادلة يصعب معها فصل خيرها عن شرها وإن كان خطرها على الإنسانية عمومًا شديد الأثر أكيد الوقوع. هذه الحضارة المادية الاستهلاكية تشبه الثقب الأسود الذي يلتهم ما حوله ويقسره على الدخول فيه، ولعلها تكون نهاية التاريخ حقًّا بمعنى نقل الإنسانية من طور تاريخي موغل في القدم إلى طور تاريخي جديد مبدؤه عصر ما بعد العلمانية يغاير الأول في شكل الاجتماع العمراني أو في موضوع هذا الاجتماع.

وأخيرًا، أريد أن أقول إن البواعث التي أدت إلى هذه الحضارة بمنجزاتها المدهشة والغايات التي تنتهي إليها حرمت الإنسان من بعده الإنساني وإن حققت له الرفاهية، تطورت به على سنَّة التطور الحيواني فخلقته خلقًا بعد خلق، فأصبح يطير في السماء ويغوص في الماء ويستعبد الطبيعة التي عبدها أسلافه الأولون، ويختصر الزمن لهثًا وراء لذته، وفي أثناء عَدْوِه تجاوز إنسانيته. هذه المنجزات الحضارية تبهر النفَس وتدهش العقل لتسرق الروح، فالنظر إليها ينبغي أن يحيط بدوافع صنعها وما تؤدي إليه بعد ذلك من آثار على إنسانيتنا. ونحن نريد لأمتنا هذا التطور لكن على شرط الروح الدينية الأولى التي سرت في جسد حضارتنا لأكثر من ألف عام، تلك الروح التي تدعو إلى تصحيح البواعث لسلامة المآلات.

الدول الإسلامية تمتعت بمركز متميز في هذا النظام في ظل تمسكها بالعقيدة الإسلامية واستقرار الجبهة الداخلية وتنمية قدراتها العسكرية واحتلالها مركزًا متميزًا في هيكل النظام الاقتصادي العالمي ومناصرة بعض الأطراف الإسلامية لبعضها البعض، وعدم تدخل القوى الخارجية في شؤونها، إلا أنها تعرضت للتدهور في ظل انتفاء مثل هذه العوامل. (ودودة عبد الرحمن)