الحرية هي امتلاك العزلة، حر أنت إن استطعت الابتعاد عن الناس، دون أن تجبر على اللجوء إليهم.

فرناندو بيسو.

وقال صلى الله عليه وسلم «الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسَ السُّوءَ». ليست كل عزلة هي دليلًا على نفْسٍ ضاقت من الدنيا، ربما تَكُونُ فُرصَةً لنفٍس أرادت أن تفتح بابًا أكثر اتساعًا على الدُّنْيَا.

العزلة فرصة لتحسين الأخلاق، كان وهب بن منبه يقول: المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم.

اعتزال الناس هو اعتزالُ الزيف والركون إلى الحق. العزلةُ فرصة لتقييم أخلاقك والنظر بتمعن في صفاتك هل أنت على خُلِقٍ حقًا كما يراك الناس أم هو قناع تواري به قبح سريرتك؟ فالعزلة فرصة لتحسين الأخلاقِ إلى صورةٍ أفضل؛ فأنت حين تعتزلُ الناس تجد في نفسك رغبة في العطاء أكثر منها رغبةً في الأخذ فتكسرُ بداخلك بضعًا من الأنا التي تحدُ بالضرورة من بعضِ أطماعك. في العزلةِ أنت ترى من حولك ملوكًا في كلِ خلقٍ كنت ترى في نفسكَ تفوقًا فيه فتصيرُ أكثر تواضعًا.

العزلة تفتقُ في عقلك مواطن الحكمة، قال وهيب بن الورد: قال حكيم من الحكماء: قال: الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، وواحد في العزلة، فأردت نفسي من الصمت على شيء، فلم أقدر عليه؛ فصرت إلى العزلة، فحصلت لي التسعة.

في العزلةِ أنتَ أكثرُ حكمةً وأقلُ رعونةً. ففي العزلة أنت تجعل عقلك في أقصى حالات نشاطه ففيها إعراضٌ عن اللغوِ المحرمِ وهي الحالةِ التي تمكنكَ حتمًا من حديثِ النفسِ؛ فرغبة الإنسانِ في الكلامِ هي رغبة لا حدود لها فأنت إن لم تجد من تحادثهُ حادثت نفسكَ وحديثُ النفسِ هو أصدق حديث والذي يدفعُك آنذاك إلى أرقى حديث على الإطلاق وهو حديثُكَ مع رَبِّكَ.

العزلة تعزز قدرتك على المجاهدة، قال رجل لعبد الله: أوصني يا أبا عبد الرحمن؛ قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك.

في العُزلةِ أنت أصبر ما يكون عن كلِ ما لم تطِق عَلَيْهِ صبرًا يومًا؛ ففي العُزلة أنت قدِ اعتزلت أهم شهوة تُسعدُ الإنسان وتشعرهُ بالتفاخرِ أمام الآخرِ وهي شهوةِ الحديث مع الناس فيزيد بها صبرك وجهادك لنفسك ومن ثمَّ فالعزلة فرصة لتنقيةِ النفسِ من أدرانها التي لطالما استعصت عليك وأنهكتك والتفَكر في ذنوبٍ لطالما آذتك واستهلكتك ومن ثَمَ الاستتابةُ منها فهي فرصة غنية لتجديدِ عهدك مع رَبِّكَ. في العزلةِ أنتَ أنقى.

في العزلة أنت أغنى، في العزلة أنت تعتزل الماديات ومن ثم ترى حقيقةَ الأشياء، فترى حقيقة كلِ ما هو مادي في حياتِكَ كُنت تخشى ضياعه كم كان صغيرًا تافهًا أمام جُرح صغير في إصبعِ أقربِ الناس إليك، فتهون عليكَ كُلُّ الماديات وترى قيمةً غير عادية لكلِ من يجاورونك فترضى بعطاءِ الله لك مهما كانَ قليلًا.

حياتك غير المنظمة دواؤها العزلة، والعزلة أيضًا فرصة ثرية لترتيب حياتك بشكل أفضل بعيدًا عن صخب الأحداث ووضع أعمال جديدة في جدولك اليومي؛ ولم لا؟ فالعزلةُ متسعٌ لمن ظنَ أنه قد ضاقَ عَلَيْهِ وقته.

العزلة تتولد منها الأصالة الكامنة في أعماقنا.

توماس مان.

في العزلةِ أنت تعلم ما تريد أن تملأُ به مكتبتك من الْكُتُب؛ لأنها سبيلك للتفكرِ الذي يدفعُك حتمًا لطرحِ المزيدِ من التساؤلات التي تُثيرُ حفيظتك لملء عقلك بالأفكار ومن الممكن أن تنتج من عزلتك عملًا إبداعيًا ككتابة أفكار مفيدة في مقالة أو حتى فرصتك لتأليف كتاب.

العزلة دليلٌ على التفكير وإعادة الحسابات والنظر إلى النفس في مرآةِ الحقيقة ومن ثمَ معرفة كم من الحقيقة قد وافقت أنت في عمرك وكم منها قد خالفت.