214d81e3-72d6-4bd6-8af7-c989c900fd8e.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

المهدي مبروك

بعد حوالي شهرين، سيتوجه التونسيون إلى انتخاب من يمثلهم في المجالس البلدية، وذلك بعد سبع سنوات من الثورة، عرفت فيها البلاد مجالس بلدية مؤقتة، أخفقت في تسيير الشأن البلدي، وتعطلت فيها معظم الخدمات، ما شوّه المدن، وراكم مظاهر التسيب والفوضى.

أغلقت قبل يومين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس باب الترشح للانتخابات البلدية، التي ستجري في 6 مايو/ أيار المقبل. وعلى خلاف كل التوقعات التي كانت متشائمة، تلقت الهيئة وفروعها ما يزيد عن 2137 قائمة مترشحة، منها حوالي 1100 قائمة حزبية و177 ائتلافية و897 مستقلة. وقد كان العدد الكلي للمترشحين قد بلغ نحو 50 ألف مترشح. وبأشكال متفاوتة، تمت تغطية كامل البلديات، بما فيها التي تم إحداثها في ربيع السنة الفارطة، إذ يبلغ عدد البلديات حوالي 350،، بعد أن كانت إلى حدود سنة 2014 في حدود 264 بلدية. وبهذا يكون التقسيم البلدي الجديد قد غطى كامل تراب الجمهورية. كان التنافس شرسا في عدد الترشحات والقدرة على تغطية كامل الدوائر البلدية التي يقر جل المتابعين أن عددها مرتفع. حرصت الأحزاب والائتلافات الحزبية تحديدا على استعراض قوتها التنظيمية وثراء زادها البشري خلال هذه الفترة، حتى لا تبدو عاجزةً عن تغطية كامل تلك البلديات بالقوائم.
على خلاف عجز بعضهم، بما فيهم الجبهة الشعبية التي تجمع أقصى اليسار وبعض الفصائل القومية والائتلاف المدني الذي يجمع عشرة أحزاب، ذات توجه وسطي، أو ليبيرالي، بما فيها الأحزاب التي انشقّت عن “نداء تونس” الذي استطاع، وحركة النهضة، أن يترشحا في جميع البلديات، بمجموع 350 قائمة لكل منهما، وهو استثناء يحسب لهما. ويعطي فوزا مؤقتا قبل الفوز الانتخابي، فهما الوحيدان اللذان استطاعا فعل ذلك، في حين عجز خصومهما عن أن يجاروهم، إذ لم تستطع الجبهة الشعبية أن تترشح سوى في 130 بلدية، أي في أقل من نصف الدوائر التي تتوزع على بلديات المدن الكبرى وبعض القرى المتوسطة ذات الكثافة السكانية، في حين اكتفى الائتلاف المدني الذي يجمع طيفا من الأحزاب، ذات الميول الفكرية والسياسية المختلفة، والمتنافرة أحيانا، والتي تجتمع على مناهضة “النهضة”، بتقديم قوائم أقل من ذلك بكثير، يبدو أنها لم تتجاوز الثمانين. وبقطع النظر عن العوامل الذاتية الخاصة بتلك الأحزاب، مثل قلة الكوادر والقواعد والموارد البشرية التي تتيح لها تشكيل القوائم الانتخابية، فإن بعضهم يثير جملة من العوائق الموضوعية، كالتي تتعلق بالقانون الانتخابي الذي تم سنه، فقد نص على شروط عسّرت على الأحزاب الصغيرة، علاوة على المستقلين، تكوين تلك القوائم. ولعل من بين الشروط التناصف العمودي والأفقي (بين الرجال والنساء)، فضلا على وجوب ترشيح الشباب، وذوي الحاجات الخاصة (حاملي الإعاقة) إلى جانب شروط أخرى، ذات علاقة بالذمة المالية، خصوصا فيما يتعلق بالجباية وغيرها.
ولم تخل مرحلة الترشحات من تنافس بارز بين الحزبين الكبيرين، وهما “نداء تونس” 
“لا يمكن إنكار أن التوافق السياسي يمر، منذ وقت طويل، بأزمةٍ لم تعد خافية”

و”النهضة”، اللذان يشكلان ائتلافا حاكما على قاعدة وثيقة قرطاج التي سعت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، خصوصا بعد أن أعلن “نداء تونس“، بعبارات غامضة وغير دقيقة، فك ارتباطه بحركة النهضة، غير أن عديدين يعتقدون أن هذا الإعلان مجرد جزء من التعبئة الانتخابية التي تقتضي، كما جرت سنن الثقافة السياسية في تونس، أن يضع “النهضة” خصما له. وإذا كان هذا الأمر جزءا من التكتيكات السياسية المألوفة، فإنه لا يمكن إنكار أن التوافق السياسي يمر، منذ وقت طويل، بأزمةٍ لم تعد خافية، وهي ناجمة تحديدا عن اختلاف المرجعيات لكلا الحزبين، فضلا عن وجود معارضين للتوافق نفسه بين قيادات الحزبين، بل وحتى قواعدهما. يبدو أن التصريحات الأخيرة لبعض القيادات من “نداء تونس” يدخل في خانة تسخين الحملة الانتخابية قبل حلولها الرسمي. وقد تكون تصريحات قياد الاتحاد العام التونسي للشغل التي ألمحت إلى ضرورة إجراء تعديلات في الحكومة لم تفصلها، إن كانت تشمل رئاسة الحكومة نفسها أو بعض أعضائها، قد غذت ذلك التنافس، بما أنها رجحت فرضيات تغييرات سياسية محتملة، تتجاوز الانتخابات المحلية، لكنها واقعة تجلت إملاءاتها في ضوء ما ستبوح به نتائج الانتخابات البلدية.
وإذا كانت هذه الانتخابات معنيةً، حسب ما ينص عليه القانون، بمهام البلدية التي تنحصر تقريبا في تلبية حاجات المواطن الخدمية، المتعلقة عموما بتحسين العيش في فضاء مشترك: السكن والنقل والخدمات اليومية، فإن نتائج الصناديق ستقرأ سياسيا في مناخٍ يتنفس فيه الناس سياسةً، بل لا يستبعد أن تخاض الانتخابات تحت لافتات سياسية. وقد بدأ بعضهم يستحضر تلك الترسانة الجاهزة من الاتهامات والحجج والحجج المضادة التي ستكون، كما بينت السطور السابقة، طاغيةً على مفردات الخطاب الانتخابي.
بعد أقل من شهرين، سيتوجه التونسيون إلى انتخاب من يمثلهم في المجالس البلدية، وهي انتخاباتٌ تقع بعد سبع سنوات من الثورة، عرفت فيها البلاد مجالس بلدية مؤقتة، أخفقت في تسيير الشأن البلدي، وتعطلت فيها معظم الخدمات، ما شوّه المدن، وراكم مظاهر عديدة من التسيب والفوضى.

إعجاب تحميل...