هل العلاقة بين الصحفى أو مالك وناشر الصحيفة أو القناة الفضائية مع «المصدر» المسئول فى أى جهة حكومية أو خاصة، يمكن أن تؤثر على ما يتم نشره من أخبار وقصص، خصوصا إذا كانت هذه الأخبار سلبية ومشينة؟!..

هذا السؤال يتكرر بصور مختلفة منذ نشأة الصحافة وبقية وسائل الإعلام، وسوف يستمر، إلى أن تقوم الساعة، لكن الذى أثاره الآن هو الفيلم الأمريكى «The Post» فى ثنايا مناقشته لقصة العلاقة التى كانت تربط ناشرة ومالكة صحيفة واشنطن بوست كاترين جراهام مع روبرت ماكنمارا وزير الدفاع القوى فى أوائل السبعينيات، وكذلك العلاقة التى كانت تربط رئيس تحرير الصحيفة بن برادلى مع الرئيس الأمريكى الأسبق جون كيندى وغالبية المسئولين فى البيت الأبيض.

العلاقات الإنسانية بين كبار المسئولين وكبار الصحفيين أو حتى صغارهم موجودة فى العالم أجمع، وأمريكا ليست استثناء من ذلك.

الفيلم يكشف فى بعض مشاهده عن هذه العلاقة المعقدة.. برادلى يتهم جراهام تلميحا بأنها غير متحمسة لنشر «أوراق وزارة الدفاع السرية»، لأن الوزير مكانمارا صديقها.

هى ترد وتقول له: ولكنك أنت أيضا كنت صديقا مقربا جدا لكنيدى، وكنت تقضى معه إجازات نهاية الأسبوع فى كامب ديفيد، ولم تكن تنشر عنه بعض الأخبار السلبية، فيرد عليها بأنها أخبار قالها له كنيدى كصديق. فى حين أن ماكنمارا حينما تحدث اليها، فإنه تحدث إليها باعتبارها ناشرة الصحيفة وليست صديقته!!.

سيناريو الفيلم كان قويا جدا فى هذه النقطة ويسأل: «هل الدعوات المختلفة التى تصل إلى الصحفى من مؤسسات الدولة وغيرها، تجىء إليه باعتباره صديقا للمسئول، أم لأنه صحفى فى مكان مؤثر؟!.

هذا سؤال مهم جدا ويتكرر فى كل العالم، وأغلب الظن أن علاقة المسئول أو «المصدر» بالصحفى هى علاقة منفعة تبادلية، المسئول يسعى طوال الوقت لأن يضمن ثقة وولاء الصحفى كى لا ينشر عنه إلا الأخبار الإيجابية، فى حين أن الصحفى يريد الحصول على القصص الصحفية المثيرة والمهمة. الفيلم أيضا يلمح إلى نقطة جدلية هى: «إذا حصل الصحفى على سبق أو خبطة أو انفراد مهم، عن صديقه المسئول، فهل ينشره استجابة لعمله وضميره الصحفى والمهنى، أم يخفيه حفاظا على الصداقة مع المسئول؟!!».

تقديرى أنه لو أن العلاقة مالت هنا أو هناك، فسوف تفسد تماما. «الراسخون فى مهنة الإعلام» يقولون إن أفضل حل أمام الصحفى هو أن يحرص على وجود «مسافة ما» بينه وبين المصدر المسئول، حتى يضمن ألا تطغى الصداقة على العمل، فتتحول الصحيفة أو وسيلة الإعلام إلى مجرد نشرة إعلانية لتلميع المسئول.

الفيلم يجيب بأن جراهام ومعها برادلى انحازا فى النهاية إلى «المهنية» ونسيا تماما العلاقة الشخصية.

لكن السؤال هنا: هل هذا متاح لكل الصحفيين والإعلاميين فى غالبية بلدان العالم خصوصا الثالث؟

الإجابة هى لا بالطبع إلى حد كبير.

الفيلم المتميز يكشف أيضا أنه حتى المجتمع الأمريكى كان ينظر بصورة سلبية للمرأة حتى بداية السبعينيات، عبر مشهد مهم حينما يقول المستشارون القانونيون والاقتصاديون لصحيفة واشنطن بوست أن المستثمرين لا يرغبون فى شراء أسهم الصحيفة لأن من تديرها امرأة!.

يكشف الفيلم أيضا عن الصراع الأزلى بين ملاك الصحف والصحفيين، وكيفية إيجاد «نقطة التقاء» بينهما. ففى مشهد مهم يقول رئيس التحرير لمالكة الصحيفة: «إذا كنت تريدين صحيفة عائلية أكبر.. عليك أن تديرها بصورة عائلية أقل!»، وأيضا: «لا تملى على ما ينبغى أن أفعله تحريريا».

لكن الفيلم يكشف أيضا عن الشجاعة الاستثنائية لمالكة الصحيفة وناشرتها التى تحملت مخاطرة كبرى كانت تهدد حياتها وما تملك ومستقبل العاملين، انحيازا لحق الناس فى المعرفة، وهو المعنى الذى أقر به رئيس التحرير لاحقا.

ومن المعانى المهمة فى الفيلم أيضا أهمية المنافسة الشريفة فى سوق الصحف. فحينما تم مقاضاة «النيويورك تايمز» أظهر أحد المسئولون فى «الواشنطن بوست» فرحه، متمنيا إختفاء النيويورك تايمز، لكن رئيس تحريره برادلى قال له: «لو تم إغلاق النيويورك تايمز فإن المباراة ستكون قد انتهت»، وهو يقصد أن المنافسة لا تكون قوية وعادلة إلا مع وجود منافسين أقوياء من حولك.

الدروس والعظات والعبر فى فيلم «ذا بوست» كثيرة ومتنوعة، وبالتالى أجدد الدعوة لكل الإعلاميين بمشاهدته.

اقرأ أيضا:

The Post 1.. الصراع بين الحريات والأمن القومي


2 The Post.. كيف تتحدى محكمة الرئيس والجيش؟!