يستدل كثيرون على صدق الرسول وصحة الإسلام بمعجزات حسية وخوارق مادية وقعت على يد النبي، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وقتال الملائكة في بدر، وأنين جذع النخلة إليه، وانفجار الماء من بين يديه، وقائمة المعجزات تزداد بما لا حصر له، وتتخللها خرافات مهينة وسمجة ومنفرة، حتى بات هذا الباب، الذي وُضع لإثبات صحة الإسلام، أشهر الأدلة على خرافات وأوهام المسلمين.

السؤال هنا: هل أنزل الله معجزات مادية لإثبات نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

لا معجزات مادية في الإسلام

دار سجال طويل بين كفار قريش والنبي حول المعجزات الحسية، إذ طالبوا وألحوا في طلب خوارق مادية، مثلما جاء بها الأنبياء من قبل، وينقل القرآن في أكثر من موضع إلحاحهم هذا:

  • (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا).
  • (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ).
  • (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ).
  • (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ … قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).

حتى أن إلحاحهم هذا لقي ميلًا ورغبةً في نفس الصحابة أنفسهم، فطلبوا من النبي أن يسأل الله معجزة حسية، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)، يقل الطبري: «المشركين حلفوا أن الآية إذا جاءت، آمنوا واتبعوا رسول الله، فقال أصحاب رسول الله: سل يا رسول الله ربك ذلك. فسأل، فأنزل الله فيهم وفي مسألتهم إياه ذلك: قل للمؤمنين بك يا محمد: «إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله، أنهم لا يؤمنون به»().

وليس ذلك فحسب، بل إن الرغبة في إرسال الآيات لاقت رواجًا في نفس النبي نفسه، ورغب أن تنزل عليه آية خارقة ليؤمنوا، لكن واجهه القرآن بأشد أساليب الاستنكار، فلا نجد في القرآن آية أكثر قسوة وغلظة للنبي مثل هذا الموقف، (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

وأول ملاحظة على كل هذا الإلحاح: أنه لم تقع معجزات حسية على يد النبي، لأنه لو وقعت المعجزات، لتوقفوا عن طلبها.

أما رد القرآن على كل هذا الإلحاح، فقد جاء حاسمًا قاطعًا: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)، إذن فلا معجزة خارقة، ولا آية حسية، وقوله: (مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ) لا يحتمل تأويلًا، وإنما هي آية محكمة قاطعة دالة على منع الآيات الحسية.

ويزيدنا القرآن حسمًا بقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، إذن فالقرآن كافٍ، القرآن وحده هو معجزة محمد الخالدة.

ويؤكد النبي هذا المعنى بقوله: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ»().

معجزات أم كرامات؟

عرَّف علماء الكلام المعجزة الدالة على صدق الرسول بأنها: أمرٌ خارق للعادة، مقرون بالتحدي، يظهر على يد نبي، سالم من المعارضة.

واشترطوا التحدي؛ أي يتحدى النبي الناس كافة أن يأتوا بمثلها، للتمييز بين المعجزة (الدالة على النبوة) والكرامة (الدالة على التكريم). فقد يخرق الله العادة لأحد، ليس للدلالة على نبوته، بل تكريمًا له، مثلما أرسل فاكهة لمريم، وأخبر الخِضر بالغيب، ورزق زكريا بيحيى وامرأته عاقر، فكلها كرامات لهم، وليست معجزات دالة على النبوة.

من الملاحظ على الخوارق الحسية التي تُنسب للنبي أن أغلبها لم يُوجه إلى مشركين أصلًا، ولم يتحدَ النبي أحدًا أن يأتي بمثلها، مما يثبت أنها ليست معجزات دالة على نبوته، بل كرامات تثبِّت فؤاده – إن ثبتت -.

يقول القرضاوي: «الله تعالى أكرم خاتم رسله بآيات كونية جمة، وخوارق حسية عديدة، ولكن لم يقصد بها التحدي، أعني إقامة الحجة بها على صدق نبوته ورسالته. بل كانت تكريمًا من الله له، أو رحمة منه تعالى به، وتأييدًا له، وعناية به وبمن آمن معه في الشدائد؛ فلم تحدث هذه الخوارق استجابة لطلب الكافرين، بل رحمة وكرامة من الله لرسوله والمؤمنين»().

ويقول سيد قطب: «ما وقع فعلا للرسول من خوارق شهدت بها روايات صحيحة فكان إكرامًا من اللّه لعبده، لا دليلًا لإثبات رسالته»().

ويقول علي جمعه: يوجد فرق بين معجزة الرسالة ومعجزة الرسول؛ فمعجزة الرسالة موجهة للناس ليستدلوا بها على صدق الرسول. أما معجزة الرسول، فهي موجهة للرسول نفسه، وربما لا يراها أحد سواه، ليطمئن قلبه، وتثبِّت فؤاده().

ونضرب الأمثال لتوضيح أي الخوارق وقعت وأيها لم يقع أصلًا؟ وما وقع منها، هل هي معجزات دالة على النبوة أم كرامات لمقام النبي الشريف؟

  1. شق صدر النبي

«عن أنس بن مالك أن النبي أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج ‏القلب، فاستخرج منه عَلَقَة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب ‏بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه»().

واستدل البعض بقوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك) للدلالة على صحة الحادثة.

لكن بخصوص الآية: (الشرح) أصله التوسعة، واستخدمه العرب في مواضع شتى بهذا المعنى مجازًا، فقالوا: شرح المسألة. أي فسرها ووضحها، كأنه أوسع تفاصيلها فتبينت. وقالوا: شرح قلبه. أي أسعده، كأنه أوسع قلبه ليستوعب الفرحة. وقالوا: شرح صدره. أي زاده وعيًا وعلمًا. كأنه أوسع صدره ليستوعب العلم الغزير. ومازال الناس يستخدمون هذا التعبير حتى اليوم، فيقولون: شرح الله صدره للحق().

لذلك فسر المفسرون الآية بأن الله زاد نبيه علمًا واطلاعًا على الحقائق، وأمده بالراحة والسكينة بحيث لم يتعلق قلبه بالدنيا ومغرياتها.

قال البغوي: «ألم نفتح ونوسع ونلين لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة؟»().

وقال الزمخشري: «شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع عموم النبوة ودعوة الثقلين جميعًا»().

ولاحظ أن الآية تستخدم صيغة الاستفهام الاستنكاري، كأنها تقول: طبعًا، لا أحد ينكر أنَّا شرحنا لك صدر. إذن فهو بالوضوح الذي يستحيل أن ينكره أحد. وتغيير حال النبي الفكري والنفسي والإيماني بعد البعثة هو فعلًا مما لا يخفى على أحد، أما لو قصدت الآية حادثة شق الصدر، فهي أغمض وأنكر من أن يُشار إليها بهذا الثبوت القاطع.

أما بخصوص الروايات التي تدَّعي شق صدر النبي: فيعلق عليها د. أكرم ضياء العمري: «ولم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة، ولكنها مما يُتساهل فيه عادة»().

وينكرها القاضي عبد الجبار لعدة أسباب:

– هذه الواقعة وقعت في صغره، وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم المعجزة على نبوته.

– الغَسل يؤثر في إزالة الأجسام، أما المعاصي فليست بأجسام، فلا يكون للغسل فيها أثر.

– لا يصح أن يُملأ القلب علمًا، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم().

ويقول محمد حسين هيكل: «الذي رأى الرجلين في رواية كتّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكانت كذلك سن محمد يومئذ. والروايات تُجمِع أن محمدًا أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره. فلو كان هذا الحادث قد وقع وسنّه سنتان ونصف سنة، ورجعت حليمة به إلى أمه، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول»().

ونضيف أن النبي قد فوجيء بجبريل في أول لقاء رآه، ولم يعرف أنه مَلَك، ولم يتوقع من قبل أنه نبي. ولو وقعت هذه الحادثة أو غيرها مما يُقال عن مولده وطفولته، لتوقع مجيء جبريل، وعرفه، وعرف أنه نبي، وما فُوجئ كل هذه المفاجأة، وما انتظر أن يبلغه ورقة بن نوفل بأنه نبي.

  1. الإسراء

قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).

واختلف المفسرون: هل وقع الإسراء بجسد وروح النبي، أم تم بروحه فقط وكان بمثابة رؤية منامية؟

ورجَّح جمهور المفسرين أن الإسراء وقع بالجسد والروح للأسباب التالي:

– الابتداء بتنزيه الله (سُبْحَانَ الَّذِي…) دال على تعظيم الحدث، ولو كان رؤية في المنام، فهو أمر عادي لا يناسبه هذه البداية.

– قوله (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) يشير إلى الفتنة التي حدثت في صفوف المسلمين، إذ كذَّب بالحادثة جماعة من المسلمين وكفروا، كما أنكر المشركون الحادثة، ولو كان الإسراء رؤية في المنام، ما أثار كل هذه الفتنة والجدل.

واستدلال البعض بالآية لإثبات أنها مجرد رؤية في المنام لا يصح، لأن المقصود بالرؤيا هنا: ما رآه النبي في الحادثة، المشار إليه في قوله: (لنريه من آياتنا).

– الإسراء هو السير ليلًا، إذن ما فائدة إضافة (ليلًا) في الآية؟ للدلالة على أن الإسراء بدأ وانتهى ليلًا، وفي ذلك خرق للطبيعة. أما لو كان رؤية في المنام، فلا فائدة من إضافة (ليلًا).

– ظاهر الآية يشير بوضوح أنه تم الإسراء بالفعل، ولا يوجد إشارة إلى رؤية في المنام. ولفظ (عبده) دال على أنه تم بهيئته العادية، جسدًا وروحًا.

إذن فقد حدث الإسراء، وهو خارق لقوانين الطبيعة، لكن لاحظ أن الإسراء لم يره أحد قط، وعَلِمنا بحدوثه بعد أن تيقنا من صدق الرسول وصدق القرآن. إذن لا يصح الاستدلال بالإسراء على صدق النبي! فالإسراء لم يقع ليكون معجزة دالة على النبوة، والقرآن يذكر صراحةً علة الإسراء: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)، فهو كرامة لتثبيت قلب النبي، الذي واجه منذ البعثة حتى الممات إهانات، وتكذيب، وسُباب، وتحديات، وغزوات، ومسئوليات، لم يتحملها بشر.

  1. نزول الملائكة في بدر

قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ).

الآية تؤكد نزول الملائكة في غزوة بدر، لكن تحصر دورهم في: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ).

وقال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). وهو يشير لدور الملائكة: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).

لكن ذكرت بعض السير روايات قليلة آحاد تفيد أن من معجزات النبي أن الملائكة نزلت يوم بدر وقاتلت المشركين بنفسها، وقالوا إن قوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) هو خطاب للملائكة، فيعني أنهم شاركوا في القتال!

لكن في الآية وجَّه سبحانه الخطاب للملائكة لتحديد دورهم: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)، ثم انقطع الخطاب، وقال: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، ثم وجَّه الخطاب للمؤمنين: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).

يقول الطبري: «الله أمر المؤمنين، معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف»().

ويقول الرازي: «(فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) فيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة. والثاني: أنه أمر للمؤمنين، وهذا هو الأصح، لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة»().

لذلك يقول محمد رشيد رضا: «ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل»().

وتاريخيًا قد أنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة فقال: «إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟! وبتقدير حضوره، أي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟!

وإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وقاتِل كل منهم من الصحابة معلوم.

ولو قاتلوا، فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، فإن رآهم الناس: يكون المشاهَد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر، ولم يقل أحد بذلك، وهو خلاف قوله: (ويقللكم في أعينهم)، ولو كانوا في غير صورة الناس، لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق، ولم يُنقل ذلك ألبتة. ولو قلنا أنه لم يرهم أحد: كان يلزم جز الرءوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم»().

ويقول سيد طنطاوي: «إن في هذه الروايات من تعظيم شأن المشركين، وتكبير شجاعتهم، وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول، ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سُلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند»().

إذن فالملائكة نزلت في بدر، ليس كمعجزة دالة على النبوة، وليس لتشارك في القتال وتقاتل نيابة عن المؤمنين، بل كرامة للنبي والمؤمنين، لتبشرهم بالنصر وتثبت قلوبهم.

  1. انشقاق القمر

رأى جمهور المفسرين أن القمر قد انشق في مكة، ودليلهم قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، وأحاديث أشهرها عن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله: اشهدوا»().

لكن رأى آخرون أن القمر لم ينشق، والآية تشير لانشقاق القمر في المستقبل كعلامة للساعة.

وقد أنكر انشقاق القمر الحسن، وعطاء، والنظَّام، والمراغي، ومصطفى محمود. وأدلتهم:

  • رفض القرآن لنزول آيات خارقة استجابةً لطلب المشركين.
  • وحين ذكر القرآن عدم إرسال آيات حسية ذكَّرهم بتكذيب قوم ثمود بمعجزة الناقة، (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها)، ولو كان القمر قد انشق وكذَّب المشركون بذلك، لكان الأولى والمقنع أكثر هو تذكيرهم بهذه الحادثة.
  • استمرار إلحاح المشركين دال على عدم وجود معجزات حسية، ولو وقع انشقاق القمر، لتوقف طلبهم.
  • الناس دائمًا تنقل الأحداث العجيبة، وتكثر من روايتها، حتى أن العرب رددوا كثيرًا  حادثة الفيل لدرجة أن سموا العام باسمها (عام الفيل). وانشقاق القمر حدث عجيب، ولو حدث لرآه ما لا يُحصى من الناس، وتناقلوه كثيرًا حتى يبلغنا بالتواتر، لكن نجد روايات انشقاق القمر آحادًا!
  • وليس انشقاق القمر حدثًا عجيبًا على العرب فقط، بل هو حدث عالمي، ولو وقع لوجدنا أثرًا لهذه الحادثة في ثقافات الأمم، لكننا لا نجد أثرًا لذلك عند أي ثقافة أخرى.
  • أما من حيث النص القرآني، فالإخبار بالانشقاق جاء إثر الكلام على قرب مجيء الساعة، (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، فالظاهر تجانس الخبرين، وأنّهما خبران عن قيام الساعة، فالمعنى المتسق أكثر أنه نبأ عن انشقاق القمر قبل قيام الساعة.
  • من عادة القرآن أنه يعبِّر عن علامات الساعة المستقبلية بصيغة الماضي للدلالة على يقين الوقوع، كأنه قد وقع بالفعل، فقال: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ)، (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ).

يقول سيد قطب: «القول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين آية – أي خارقة – يبدو بعيدًا عن مفهوم النصوص القرآنية وعن اتجاه هذه الرسالة الأخيرة إلى مخاطبة القلب البشري بالقرآن وحده وما فيه من إعجاز ظاهر»().

ويقول المراغي: «(وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي وسينشق القمر وينفصل بعضه من بعض حين يختل نظام هذا العالم، وتُبدَّل الأرض غير الأرض، ونحو هذا قوله: (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) وقوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ)، وكثير غيرهما من الآيات الدالة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم وقرب قيام الساعة»().

  1. معجزات الرسول في السِيَر النبوية

خاضت وتبحرت كتب السِيَر في إنساب معجزات حسية للنبي، وظل عدد هذه الخوارق يزداد كلما بعدنا عن زمن النبي.

ففي القرن الثالث، نجد معجزات النبي في (سيرة ابن هشام) 10 معجزات.

ثم جاء القرن الخامس، فوصلت عند الماوردي في (أعلام النبوة) أربعين معجزة!

ثم القرن السادس، فوصلت عند القاضي عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) 120 معجزة!

ثم القرن الحادي عشر ادَّعى الحلبي في (السيرة الحلبية) أنها وصلت إلى ثلاثة آلاف معجزة!()

يقول القرضاوي: «بعض المؤلفين لا يُعنى بصحة ما يروي من هذه الأمور، على أساس أنها لا يترتب عليها حكم شرعي، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك. ولهذا إذا رووا في الحلال والحرام تشددوا في الأسانيد، ونقدوا الرواة، ومحصوا المرويات. فأما إذا رووا في الفضائل والترغيب والترهيب، ومثلها المعجزات ونحوها، تساهلوا وتسامحوا»().

والقاضي عياض الذي روى عددًا ضخمًا من معجزات النبي يقول: «كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا، ولا لطاعن في معجزاته، بل ألَّفناه لأهل ملته الملبين لدعوته، المصدقين لنبوته ليكون تأكيدًا في محبتهم له، ومنماة لأعمالهم، وليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم»().

هذا التساهل في غير محله إطلاقًا، لأن ادعاء خرق نواميس طبيعية وثوابت كونية ليس بالأمر الهين الذي نتساهل فيه، فكيف نصدِّق رواية من واحد أو اثنين أن النبات يشعر، والحيوانات تخاطب البشر، والماء يزيد من العدم، والأموات يعودون للحياة؟!

وكثرة الخوارق المنسوبة للنبي تصور أنه كلما واجه مشكلة، أوقف نواميس الكون وغيَّر الطبيعة! لذلك تترك هذه الروايات تأثيرًا خرافيًا وهميًا متواكلًا، وهو ما يهدم التأثير المنطقي العملي الواقعي، الذي يبنيه القرآن وتقره السيرة الثابتة.

وهذا التساهل فتح الباب لكل مدَّع أن ينسب للنبي أنه تحاور مع حمار لم يركبه إلا الأنبياء! وأن بصاق النبي يتحول لماء يُشرب أو عطر يفوح! وأن للنبي قوة جنسية خارقة! إلى آخر هذا السفه المهين للرسول والرسالة.

النتيجة:

لم يرسل الله معجزة مادية دالة على نبوة محمد إطلاقًا، ومعجزة الإسلام الوحيدة الكافية: القرآن، وهو معجزة عقلية فكرية، معجز ببيانه ومضمونه.

أما إرسال خوارق كرامةً للنبي: فنؤمن بما ثبت يقينًا بالتواتر أو أقره القرآن، كالإسراء، ونزول الملائكة لتثبِّت قلب المؤمنين في بدر. وربما قامت على يديه خوارق أخرى لم تصلنا، ولا تزيدنا إيمانًا ولا انبهارًا.

إن العقل المسلم الذي تشبع بالقرآن يردد في أسفٍ وندامة: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).