على موائد الطعام يجتمع الناس، تتنوع الأمنيات التي يتبادلونها فيما بينهم، وتتباين الأقوال التي يرحب مضيف بضيوفه من خلالها. يقول الفرنسييونBon appetit : أي؛ شهية طيبة. أمنية لطيفة للشخص المشرف على تناول طعامه، بأن يحظى برغبة جيدة وإقبال على ما أمامه من مأكولات. لا يقتصر استخدام هذا التعبير على الفرنسيين، بل يتجاوزهم إلى بلدان أخرى يحب بعض أبناؤها استعارة كلمات أجنبية. في مطلع هذا الشهر، نبهت صحيفة لو فيجارو الفرنسية في إحدى مقالاتها الخاصة باللغة، إلى أن هذا المصطلح ليس لطيفًا ولا لبقًا كما يبدو، وكما يريد له مُطلِقه. تقول كاتبة المقالة إن هذا التعبير التقليديّ الشائع، قد يعكس أمورًا سيئة على غير المأمول؛ منها مثلا الإشارة إلى عدم جودة الطعام أو صعوبة هضمه، بما يحتاج إلى شهية ومقدرة أكبر من المعتاد. الأمنيات الطيبة التي اعتاد الفرنسيون إطلاقها؛ مثل حظ طيب، أو شجاعة موفقة، تقال في مواقف سيواجه فيها الشخص مصاعب ما، وبالتالي لا يصحّ التعامُل مع وليمة طعام بالطريقة ذاتها. أدرك الفرنسيون أن التعبير غير مُرحَّب به منذ عقود، كما أدركوا أن ثمّة شعوبًا لا تستخدم تعبيرات شبيهة، فالإنجليزيون مثلا لا يقولون شيئًا قبل تناول الطعام، مع ذلك ظلت Bon appetit جملة واسعة الانتشار في أنحاء العالم، ومجاملةً لا يتخلى عنها أصحاب الذوق والكياسة.

***

لكل شعب تقاليده في الاحتفاء بالأكل، ولكل مجتمع طقوسه الخاصة؛ يمارسها قبل الأكل، وربما أثناءه وبعد الانتهاء منه. في مصر يُقال عادة للآكلين: "بالهناء والشفاء"، وفي الثقافة الشعبية أيضًا تعبير شيق، اقترن بمواقف مُتباينة: ”مطرح ما يسري يمري“ .شاهدنا في الأفلام القديمة مَن يستخدم هذا التعبير بنيّة خالصة طيبة، ومَن يجعله مشفوعًا بالغيظ الشديد مِن ضيفٍ لا يكُفُّ يدَه وفمَه عن الطعام، ومَن يتلفّظه مُشبعًا بالسخرية؛ تقفز ماري منيب في أدوار الحماة إلى ذهني كلما سمعت هذا التعبير، ومعها تتسلل ابتسامات تلقائية.

***

في بعض البلدان العربية يُقال: ”صحتان“ أو ”صحتان وعافية“. اجتمعنا أربعة في مؤتمر ضمَّ عشرات الكُتَّاب والفنانين مِن عديد البلدان، ولم يكُن فينا مَن ينتمي إلى البلد المُضيف. تَمَنَّت لنا صديقةٌ مِن أصول عربية ”صحتين“، ونحن نمد أيدينا لبعض المأكولات الخفيفة. لم أتوقف أمام عبارتها التقليدية، لكن صديقتنا السورية فعلت، وعلَّقت دون أن تبدي استياءً مَلحوظًا؛ بأن كلمة ”عافية“ لها وقع سيء في ثقافة أهل الشام. العافية في عرفهم تقترب مضمونًا مِن العلّة والمرض. اندهشت للوهلة الأولى مِن تعليقها العابر؛ فما تركت الكلمةُ في نفسي كان انطباعًا إيجابيًا؛ دعاءً بأن يجلب لنا الطعامُ صحَّة جيدة، رحت أراجع حصيلتي وخبرتي المُتعلقة بالعافية؛ فألفتها مُفردة حَسنة لا غبار عليها. تذكرت مواقف كثيرة تُقال فيها دون أن تلقى استنكارًا؛ حين يرتبك الكلامُ علي سبيل المثال، ويظن شخصٌ أنه المقصود بسؤال ما، يظهر مَن يزيل الارتباك ويرفع الحرج قائلًا: ”سألت عليك العافية“، وحين يمرض آخر ويعوده الأقارب والأصدقاء يُقال: ”يعافيك“. قطعًا لا تعني ”العافية“ ومشتقاتُها في هذا السياق أو ذاك أمرًا سيئًا، بل العكس، هي أمنية أو دعوة مُستَتِرة بأن تدبَّ في الشخص المقصود بها القوةُ والشدة.

***

سرعان ما استدركت دهشتي، فقد أضاءت في ذهني عبارة نستخدمها في مصر كثيرًا: ”فلان بعافية“.. أي هو ليس بأفضل حال؛ بل يعاني أمرًا ما. كذلك تترادف العافيةُ مع العسر في بعض الحالات؛ يذهب إلى المدرسة بالعافية، يذاكر دروسه بالعافية، يستحم بالعافية، وينام بالعافية.. طفلٌ صعب المراس، لا يريح والديه ولا يسهل التعامل معه. تبادلنا المزاح حول المفارقة وكُلٌّ مِنا يدلي بدلوه، ورحنا نبحث عن مُفارقات أخرى فيما بيننا، رغم اشتراكنا في لغة واحدة، فأحصينا الكثير. قلنا ربما يكون استخدامُ بعض الكلمات مَشفوعًا بالمخاطر مع اختلاف الثقافات وتباينها؛ فقد يُساء تفسير كلمة أو أخرى بنوايا طيبة أو خبيثة، وقد يجري دس ما يختلط في الأذهان مِن مُفردات، بما يسفر عن نتائج غير متوقعة، خاصة في نطاق السياسة وما تموج به مِن ألعاب كلامية لا حصر لها.

***

على كل حال، تحدد النوايا مسارَ الكلمات ومعانيها، ويضعها السياقُ في إطار مِن الوضوح، مع ذلك تبقى اليقظة إزاء ما نتلفظ ضرورة، وتبقى المراجعة المستمرة لأداة تواصلنا، أمرًا لا نملك ترف إهماله.