لدى إعجابٌ خاص بأسماء ثلاثة في تاريخ الحقبة الشيوعية السوفيتية (أقول معجب بالرجال وليس بالفكر الشيوعي) وهم حسب الترتيب لدي مفكر الثورة البلشفية «فلاديمير أيلتش لينين» وفلاحها القائد «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف» وسياسيها المحنك «يورى أندربوف» وأسبابي مرجعها أن الثلاثة كان لهم رؤاهم المختلفة لظروف عصرهم، وقد تعاملوا مع العصر بفكر رائق وقاموا بتحقيق الأحلام بقدرة الأفعال، وجميعهم وضعوا الجسارة في خدمة الإرادة السوفيتية، وهم كذلك حاولوا أن يُعطوا بُعدًا إنسانيًا للتجربة الشيوعية بعد عتمة عصر «ستالين» الذي طبع التجربة بطابع القهر وصبغها بصبغة الخوف ولونها بلون الدم!، وجميعهم أصروا على المشاركة بقدم المساواة في القيادة الدولية مع الإمبراطورية الأمريكية، وثلاثتهم غيبهم الموت المبكر أو تمت إزاحتهم بالانقلاب.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏بدلة‏‏‏

«فلينين» كان متمسكًا بالمشاركة في أوروبا الشرقية، بالإضافة للتجديد في تناول أفكار «ماركس» و«أنجلز». وللينين مع رفيقه في الثورة الشيوعية (ليون تروتسكي) قصة تستحق أن تُروى:

حكمة الشيوخ تروض ثورة الشاب البلشفي في معقل الإمبراطورية!

حيث كان (لينين) سنة 1910 لاجئًا سياسيًا يعيش في لندن خائفًا أن يقبض عليه عُملاء (الأوخرانا) أي (البوليس السري القيصري) لكن القيادة الشيوعية في داخل روسيا بدأت تسيء الظن به وتتصور أنه استمرأ حياة المنفى (مُستريحًا) ومكتفيًا بما تبعث به قيادة الداخل إليه من مبالغ مهربة بين الحين والآخر وكذلك فهو لا يتحرك سياسيًا بما هو لازم ولا يساهم حتى في الكتابة في (أسكرا) النشرة السرية التي تُحرض على الثورة في الداخل.

وفي أوساط الحركة الشيوعية في الداخل كان هناك نجم صاعد لفت إليه الأنظار وهو (تروتسكي) وكانت مقالاته النارية تظهر بانتظام في (أسكرا) وكان (لينين) معجبًا بهذه المقالات من بعيد ومقدرًا من خلالها لثورية (تروتسكي) وطاقته الهائلة.

ثم جاء يوم قررت فيه قيادة الداخل أن تبعث إلى لندن برسول يمثلها ليُطل على نشاط الزعيم الذي يعيش في المنفى (لينين) ويتأكد أن قلة نشاطه ليست تآكلًا في ثوريته! بفعل (ترهل أصابه) في وطن البرجوازية الأول في ذلك الوقت وهو بريطانيا وكان ذلك الرسول المختار ليُطل على (لينين) هو ذلك الشاب (تروتسكي).

وعلى نحو ما جرى إخطار (لينين) بأن ينتظر رسولًا قادمًا إليه وبشكل ما فإنه عرف أن ذلك الرسول هو نفسه كاتب تلك المقالات النارية (تروتسكي) وراح (لينين) يتحسب ليوم يظهر فيه (تروتسكي) أمام بيته في حي (هامبشير) ثم جاء المنتظر ودق جرس باب البيت ذات صباح وفتحت زوجة (لينين) (ترو بسكايا) وقبل أن يقدم لها الطارق نفسه كانت قد تعرفت عليه بالوصف.

والتقى الرجلان أخيرًا (لينين) الذي يعيش في المنفى و(تروتسكي) القادم من (قلب المعمعة) في الداخل إلى الغرب لأول مرة وبعد أن اطمئن (لينين) على أن زائره نام وأفطر اقترح عليه أن يخرج معه إلى جولة في لندن يتعرف فيها على (معاقل الإمبريالية).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏‏نظارة‏ و‏بدلة‏‏‏‏

كان (لينين) يُريد أن يكسب وقتًا تهدأ فيه أعصاب (تروتسكي) فلا ينطق بما عنده دفعة واحدة مكثفة تُسبب حرجًا للشيخ الثوري الكبير! ومن ناحيته كان (تروتسكي) مُتشوقًا إلى التعرف على ذلك العالم الغريب الذي جاء إليه.

وسأله (لينين): (من أين تُريد أن نبدأ)؟

ورد (تروتسكي): (من القلعة الأكبر للإمبراطورية)!

وفيما بعد كتب (تروتسكي) يقول: «أنه تصور أن (لينين) سوف يذهب به إلى قصر (باكنجهام) حيث يقيم الملك (جورج الخامس وقتها) أو إلى قيادة القوات الإمبراطورية أو إلى وزارة المستعمرات في (هوايتهول) لكن (تروتسكي) فوجئ بأن (لينين) يأخذه الى المتحف البريطاني».

ويضيف (تروتسكي): «أنه عند ما فرغ من زيارة المتحف البريطاني فهم عبقرية (لينين) – (فأي رجل غيره كان يمكن أن يأخذني إلى مراكز الحكم المشهورة ويقول لي: هنا معقل الإمبراطورية. لكن (لينين) أكد عبقريته حين أخذني إلى المتحف البريطاني لأنه بالفعل المكان الوحيد الذي يمكن فيه أن ترى (الفعل الإمبريالي) في حالة تلبس!

 كنوز منهوبة من أرجاء الدنيا الواسعة كل حجرة (مُنتزعة من بلد) وكل طابق (مخطوف من قارة) المتحف كله على بعضه هو الكنز الإمبراطوري الكبير الذي استولى عليه الاستعمار من كل مكان ذهب إليه من اليونان القديمة إلى مر الفرعونية من الهند الإسلامية إلى أطراف الصين من أعماق أفريقيا إلى غابات أمريكا كله هنا دليل حي على الغلبة والغزو.

و«خروشوف» كان هو الذي أراد أن يعطي التجربة وجهًا مشرقًا بعد عتمة عصر ستالين،وكذلك قفز قفزةً واسعة باتجاه المنطقة الأهم في العالم (الشرق الأوسط) حينما وافق على تزويد مصر بالسلاح (فيما عرف بصفقة الأسلحة التشيكية) وبعدها كان هو الذي وجه الإنذار النووي الشهير لقوى عدوان السويس1956 على مصر (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل) ومد بعدها العلاقة مع كافة قوى التحرر الوطني كما سنرى.

وأما «أندربوف» فهو الذي قام بآخر محاولة لتجديد شباب الإمبراطورية الروسية، وحاول استعادة التوازن بين المعسكرين الشرقي والغربي في (الشرق الأوسط) وكان ذلك عندما ربط شبكة الصواريخ السوفيتية بسوريا بعد ضرب إسرائيل أغلب قواعد الصورايخ السورية مما جعل سماء دمشق مكشوفة تمامًا أمام الطيران الإسرائيلى في (حرب لبنان 1982).

 «وأين كنت أيها الرفيق حينما كان يحدث كل ذلك؟»              سؤال موجه لنيكيتا خروشوف في أحد مؤتمرات الحزب الشيوعي

لعل أهم مفاتيح شخصية «خروشوف» هي أنه فلاح، وصفه الأستاذ «محمد حسنين هيكل» (بفلاح) يبدو مُطلًا برأسه من سطور إحدى روائع القصص الروسي الزاخر بالانفعالات النفسية الغنية». كان الظهور الحقيقي لخروشوف أثناء الحرب العالمية الثانية وتحديدًا في الوقت الذي غزى فيه الفوهرر «أدلوف هتلر» الأراضي السوفيتية، وتدفق الجيش الألماني وأمامه دبابات البانزر، وتحت أعلام النازية المذهبة وصلبانها المعقوفة السوداء، ينفذون خطط عباقرة الحرب الألمان، الذين وضعوا ونفذوا العملية «برباروسا» كما كان يرمز لخطة غزو روسيا، من أمثال الماريشالات «فون رونشتد» و«فون بوك» و«هالدر» و«فون ليست» و«جودريان». وفي أحد اجتماعات الحزب لمناقش الحرب لاحظ «جوزيف ستالين» أحد الموجودين يتحدث بثقة فسأله: ما اسمك أيها الرفيق؟ فأجاب: اسمي الرفيق (نيكيتا خروشوف أيها الرفيق!)

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏لحية‏‏‏‏

بعدها ألحق «ستالين» خروشوف (قوميسيرًا سياسيًا) من الحزب برتبة جنرال مُلحقًا بقيادة ماريشالات المعركة على الجبهات المختلفة خصوصًا في أوكرانيا، وفي ظروف أخرى كُلف خروشوف بتنظيم المقاومة السرية وراء خطوط الألمان الذين وصلت جيوشهم إلى ستالينجراد جنوبًا وإلى ليننجراد شمالًا ثم راحت تدق أبواب موسكو في الوسط في القلب. ثم في ظروف ثالثة – بعد توقف المعارك – ألقيت إليه مسئولية إعادة بناء ما خربته الحرب بالذات في أوكرانيا.

وحين مات (جوزيف ستالين) في (5 مارس 1953) فقد كان لا بد وأن تحدث بعد اختفاء سلطته الأسطورية تقلصات على القمة في الكرملين تمتص وتستغرق اهتمام القيادة التي انتقلت فيها خلافته. كانت سلطة (ستالين) الأسطورية قد كانت تخنق أنفاس الحزب تحت ثقلها كما أنها قد حولت المحيطين به من أعضاء المكتب السياسي إلى مجرد ظلال لا وزن لها ولا تأثير.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏7‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

واحتل مقعد القيادة على عجل تلميذ (ستالين) المخلص وخليفته المنتظر وهو (جورجي مالينكوف) لكن الانتقال لم يكن ممكنًا اتمامه بهذه السهولة أو هذه البساطة. فبعد اختفاء (ستالين) بالموت اختلجت الحركة في المكتب السياسي وانتقل النبض منها خافتًا وضعيفًا إلى بقية تنظيمات الحزب وحدثت تفاعلات فكرية وذاتية لم يكن ممكن تعطيلها وهكذا سقط (مالينكوف).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏بدلة‏‏‏

وأذيع بعد سقوطه بيان بأنه أي » مالينكوف:

قد (اعترف) أمام المكتب السياسي: أنه (غير كُفء) لرئاسة الوزراء وأن فهمه لمشاكل الزراعة مغلوط كما أن فهمه لمشاكل الصناعة غير كاف وأنه بناء على ذلك يطلب إعفاءه من المسؤولية.

وأصدر المكتب السياسي قرارًا يعهد فيه إلى (مالينكوف) بتولي منصب وزير القوى الكهربائية ثم ما لبث أن عُزل عن هذا المنصب أيضًا مكتفيًا بإدارة محطة كهربائية واحدة على تخوم سيبيريا.

وما هي إلا أسابيع أخرى حتى أعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي عن ( تصفية ) أقوى رجل في الاتحاد السوفيتي بعد (ستالين) وهو (لقرنتي بريا) وزير البوليس والأمن الداخلي ولم يذكر المكتب السياسي كيف جرت تصفية (بريا).

لكن التفاصيل التي عُرفت فيما بعد كشفت عن أن («بريا» حُوكم بواسطة زملائه من أعضاء المكتب السياسي وحكم عليه بالإعدام. وذلك لأن جميع الأعضاء كانوا يريدون التخلص من الرجل الذي كان يعرف عنهم أدق أسرارهم ) ثم استُدعى (بريا) إلى قاعة اجتماع المكتب السياسي وطُلب من جنرال في الجيش السوفيتي بتنفيذ الحكم فورًا وقد نفذ بالفعل الأمر في حجرة مجاورة وانتهى أمر الرجل المخيف في الاتحاد السوفيتي والذي كان يُقال عنه: (إنه يسمع همهمة الصدور في الاتحاد السوفيتي!) في دقائق معدودة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

وبعد فترة قصيرة شق نجم جديد طريقه إلى قمة الكرملين بسرعة وحيوية وأصبح (نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف) زعيمًا جديدًا للاتحاد السوفيتي يُمسك في يده بسلطة الحزب والحكم معًا وإن كان (بولجانين) عُين رئيسًا للوزراء كما أن المارشال (جوكوف) عُين وزيرًا للدفاع.

ومع ذلك فإن (خرشوف) نفسه كاد أن يسقط من أعلى القمة حين رأى بعض الأقوياء في المكتب السياسي من أمثال (مولوتوف) و(كاجانوفيتش) أن السكرتير العام الجديد بدأ يتجاوز حدوده وعقدوا بالفعل جلسة لمحاكمته أرادوا عزله بعدها.

وكان من ضمن التهم التي وجهوها إليه شهادة أدلى بها وزير الخارجية السوفيتي في ذلك الوقت وهو (ديمتري شبيلوف) الذي قال أمام المكتب السياسي: (أن خرشوف لا يصلح بحكم تصرفاته أن يكون زعيمًا للاتحاد السوفيتي وأنه يكاد يذوب من الخجل مرات بسبب تصرفات خرشوف ومن أمثلة هذه التصرفات أنه أي شبيلوف – حضر اجتماعًا بين خرشوف ورئيس جمهورية فنلندا وطوال الاجتماع كان خرشوف لا يكف عن هرش صدره وتحت إبطيه وكانت ملابسه الداخلية مملؤة بالقمل والبراغيث)!

لكن (خُرشوف) استطاع أن يفلت من حصار الاتهامات والمؤامرة مستعينًا بنفوذ حليفه في الجيش وهو المارشال (جوكوف) بطل الحرب العالمية الثانية الذي دك مقر الفوهرر (أدلوف هتلر) في قلعة النسر.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

ولم تكد تمضى ثلاثة شهور حتى وجد (خرشوف) أن عليه (التخلص) من (جوكوف) بصرف النظر عن دينه له فـ(جوكوف) يستند على (قاعدة الجيش) وهذه القاعدة تمثل (قوة حقيقية وبالتالي سلطة حقيقية).

ولم يتردد خروشوف في أن يعزل الماريشال (جوكوف)، بطل الاتحاد السوفيتي الشهير وصاحب الدور الكبير في معركة النصر وقال خروشوف: «إن الماريشال تاه عجبًا بنفسه وأراد أن يجعل الجيش فوق الحزب!».

واستطاع (خرشوف) أن يستميل إلى جانبه عددًا من ماريشالات الاتحاد السوفيتي من بينهم (كونييف) و(سكولوفسكي) و(روكوسوفسكي) و(وأنطونوف) و(ماليونوفسكي) و(فاسيلفسكي) وتمكن بمساندة هؤلاء جميعًا من مواجهة الماريشال (جوكوف) الذي اضطُر إلى تقديم استقالاته ونشر باسمه بيانًا في جريدة (برافدا) يقول فيه:

(لقد اكتشفت الآن لأسفي البالغ أنني ارتكبت أخطاء جسيمة في القوات المسلحة فلقد حاولت عرقلة العمل السياسي للحزب في صفوف الجيش وإذ أعترف بأخطائي أمام المكتب السياسي فأني أعترف أيضًا بحق الحزب في تقويم هذه الأخطاء).

وبعد أن تخلص خروشوف من منافسيه ومناوئيه اتجه لتنفيذ رؤيته في تجديد التجربة الشيوعية في الداخل وفتح مجال الحركة والتأثير بشكل أكبر لدور الاتحاد السوفيتي في الخارج.

كان خروشوف يرى منذ مشاركته كقوميسيرًا سياسيًا من الحزب في الحرب ضد هتلر أن الشعب، هو الذي استطاع أن يقود الحرب وعلى أقل الفروض فإن الشعب شارك الحزب في تحقيق الانتصار على جيوش الفوهرر أدلوف هتلر. لكن الحرب انتهت بتضحيات مهولة للشعب وبانتصار للحزب دون مشاركة الشعب!

وبدأ خروشوف في نقل القيادة من الأجهزة الكئيبة التي فرضها ستالين على مقدرات الشعب السوفيتي خلال الثلاثينيات المظلمة إلى عناصر جديدة. عناصر جديدة من القواد العسكريين الموهوبين من أمثال «زوكوف»، و«سوكولوفسكي»، و«مالينوفسكي».

وعناصر جديدة من المثقفين والمفكرين الذين راحوا يتحدثون إلى الشعب بلغة أخرى ليست جامدة وليست مغلقة من أمثال «أهرنبورج» و«شولخوف». وعناصر جديدة من مديري مراكز الصناعة المتخصصين. إلى جانب عناصر جديدة من الحزب نفسه، لمحت الحقيقة المتغيرة واستوعبتها أمثال (شيلبين، شيبلوف، ومازاروف، وأندربوف، وجورباتشوف).

أدرك خروشوف أن روسيا بعد الحرب لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبلها وتقبع مستسلمة وراء الستار الحديدي الذي أقامه ستالين.

بل أدرك خروشوف أن هناك عناصر جديدة من الفنيين والمفكرين بل والعسكريين، يشعرون بقيمتهم الجديدة المستمدة من قيمة النصر على النازي، وأن هؤلاء لن يعودوا إلى القبول بحكم الأجهزة الرهيبة التي أساءت إلى الوطن وإلى الحزب معًا قبل الحرب وبعدها.

ربما وقتها تذكر (خروشوف) كلمة (ستالين) المهزوزة بالعصبية في الساعة الأولى من الحرب، حين قال:

«أيها الرفاق، إن الدولة التي بناها لينين قد انتهت». وفي وجدانه تحولت هذه العبارة لتصبح:

«إن الدولة التي بناها لينين يجب أن تبقى، وأما الدولة التي بناها ستالين فهي التي أصبح مُحتمًا أن تنتهي».

كان «خروشوف» قبل غيره يدرك أنه يتحمل مسئولية الانتقال والتغيير. لكنها أصعب المسئوليات. كانت المعضلة التي تواجهه الآن هي:

  • كيف يستطيع أن يفك نظام ستالين، ويرفع حواجزه، ويطلق الحياة الجديدة تطور نفسها على شرط، أن لا يؤثر ذلك على النظام كله؟
  • أي كيف يستطيع أن يفرق بين ما كان مفروضًا (بالقهر) من ستالين، وبين ما هو مطلوب بالضرورة لسلامة النظام الشيوعي في ظل الحرب الباردة الطاحنة؟!

لقد قاد خروشوف معركة كشف خبايا عصر «ستالين» بشجاعة نادرة في المؤتمر العشرين للحزب، حينما وقف قائلًا:

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏7‏ أشخاص‏، و‏‏‏أشخاص على المسرح‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

«لقد كان ستالين لا يُطيق أي معارضة لرأيه، وكان الموت نهاية كل من يقف أمامـه.. لقد كان الناس يُعتقلون بالجُملة وبالآلاف كانوا يُقتلون من غير مُحاكمة.

إن الخوف دفع الناس إلى اليأس. هل تعرفون ماذا حدث لأعضاء اللجنة المركزية التي انتخبها المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي؟

لقد كان عددهم ما بين أعضاء أصليين واحتياطيين – 137 عضوًا، إن 95 واحدًا منهم اعتُقلوا وضُربوا بالرصاص أي بنسبة 70 في المائة منهم.

ولقد حل نفس المصير بأعضاء المؤتمر ذاته، المؤتمر السابع عشر للحزب. لقد كان عددهم 1966، ولقد اعتقل منهم بتهمة معاداة الثورة 1108 أعضـاء، أي أكثر من الأغلبية!

هل تعرفون كم من الناس أخرجهم ستالين من بيوتهم ونفاهم إلى البقاع النائية في سيبيريا؟                        عددهم بالملايين!

وفى كل الأحوال لم يكن من حق ستالين أن يقود الناس الى جنته الموعودة بالعصا!».

وقاد خروشوف معركة التشجيع على الحرية الفكرية وذهب بنفسه إلى نادي الكُتاب السوفيت يناشدهم أن يتركوا ملكاتهم بغير قيد.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏6‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏‏

لكنه اضطر إلى موقف عداء من قصة «باسترناك» (الدكتور زيفاجو)، وكذلك انتقد علنًا وبلهجة قاسية اتجاه الرسامين السوفيت إلى الفن التجريدي.

ووجهة نظره أنه لا يريد للأدب أن يستغل في الدعاية السياسية ضد المجتمع السوفيتي، ولا يريد لهذا المجتمع أن يُغزى بثقافة مجتمع الغرب.

كان كل ذلك وغيره من سياسات، شهادة «لنيكيتا خروشوف» ترمز إلى أنه استطاع أن يلمس النظام بيد إنسانية تقول مع الذين قالوها للبشر من زمن ثم رددها عنهم  فنان السوفيت المشهور «كوزنتسوف»: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن بالحرية أيضًا».

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏بدلة‏‏‏

و(لنيكيتا خرشوف) موقف مشهور – ففي أحد اجتماعات الحزب الشيوعي السوفيتي قام (خرشوف) بمهاجمة (ستالين) ونعت حكمه بأفظع الألفاظ وأشد الصور وتحديدًا في مجال الحريات وهو في تلك اللحظة من حديثه جاءته ورقة مطوية، وحين فتحها (خرشوف) وجد بها سؤالًا يقول له: (وأين كنت أيها الرفيق عندما كان يحدث كل ذلك)؟

وصاح «خرشوف» قائلًا: (لقد جاءني سؤال يسألني فيه صاحبه أين كنت أنا عندما كان يحدث كل ذلك؟)       وأضاف خرشوف: (وأنا بدوري لاحظت أن صاحب السؤال نسي أو لعله تناسى أن يذكر اسمه ولهذا فأنا أريده أن يقف أمامنا الآن كي أستطيع أن أرد عليه).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏يبتسم‏‏

وغطت القاعة في صمت عميق عل من أرسل السؤال يجد في نفسه الشجاعة ويقف. ولكن كالعادة لم يقف أحد.

وصاح (خرشوف) مرةً أخرى قائلًا:

(جوابي اأنني كنت مع الرفيق صاحب السؤال الذي لم يكتب اسمه ولم يستطع أن يقف أمامنا الآن، جوابي أنني كنت معك أيها الرفيق ونحن الاثنان صمتنا ولم نتكلم)!

والآن – انتهت السطور المخصصة لذلك المقال ولكن لم تنته قصة الفلاح الذي حكم الإمبراطوية السوفيتية من قصر (الكرملين) بموسكو … إنه الرفيق «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف» أيها الرفاق!

فى الجزء القادم:

لماذا قال (خروشوف) للزعيم الصيني الكبير (ماو تسى تونج):

«إن حالك مثل حال زوج يضبط زوجته كل يوم في الفراش مع رجل غريب وهو في كل مرة يهددها بالطلاق لكنه لا يفعل»!