توقفت عن الكتابة في الفترة الماضية بغير إرادة مني، أو ربما خشية من ألا توازي كلماتي فعال عظام شعبي، فنأيت بقلمي جانبًا تاركة الميدان لأهله حيث الكلمة العليا للفعل.

حتى وإن تحدثتُ فلن أضيف جديدًا، فإما تحليل لموقف أو سردٌ لواقع، فمنذ بدء العملية البطولية وتمكن المنفذ من الفرار، لا لمرة بل أكثر، حتى الإعلان في وسائل الإعلام العبرية عن الإمساك به.

طوال هذه الفترة ونحن نترقب الأخبار وندعو السلامة لبطلنا الذي أعادنا عقودًا من الزمن للوراء، حيث العياش وعماد عقل وسلسلة من أولئك الذين لووا عنق الاحتلال، خاصة مع ازدهار التنسيق الأمنى وعمله الدؤوب لخدمة الاحتلال، وكأن هناك عداءً صارخًا بين الشعب والرئاسة، والاحتلال صاحب الاستفادة.

ما زلت حتى اللحظة أحاول فهم طبيعة تفكير الرئاسة في رام الله، خاصة مع الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للاحتلال! بل والعمل الجاد من أجل إقامة وطن قومي للفلسطينيين في سيناء والقضاء على خريطة فلسطين تحت مبدأ السلام الذي وعد ترامب بتحقيقه في المنطقة.

العملية الأمنية المغلقة التي تجري حاليًا في سيناء، ألا يجدر بالرئاسة الالتفات لها وأخذها على محمل الجد؟ أم أن الرئيس سيقبل بأن شيئًا من شأنه القضاء على حماس في غزة حتى لو كان الثمن ضياع فلسطين بأكملها، أي سياسة تلك؟!

وجدت فيما قام به شبان مدينة جنين من تأديب لأولئك الذين استأمنوا المكان ثقةً بالتنسيق الأمني، فشًا للغل وحلوانًا أو قربانًا يقدمونه لعائلة الشهيد جرار.

أذكر أنني درست في المدرسة الوزارية أن علينا أن نحمي وطننا وندافع عنه ضد المحتلين، وأذكر أن كل من يدافع عن وطنه في بلادي فلسطين مطلوب لمخابرات الدولة فإما أن يكون معتقلًا أو مطاردًا أو يصدر بحقه حكم الاعدام، لم أر أحدًا من أعلام بلادي الأبطال يتم وسمهم وتكريمهم في محافل الدولة الرسمية لأنه كان مدافعًا عن الوطن وحرمته.

ما أذكره أيضًا هو عدد المرات التي قام جهاز الشرطة بإعادة المستوطنين وكذلك الجنود المسلحين آمنين بعد دخولهم لأراضينا، وكأن الشرطة في حماية العدو لا الشعب!

كنت سعيدة جدًا خلال الفترة التي كان الشهيد أحمد مطاردًا فيها بل مبهورةً جدًا من ذلك، حيث كثيرًا ما تساءلت كيف نجح طوال تلك الفترة من تمويه الاحتلال والفرار أكثر من مرة في ظل وضع الضفة والاحتلالين هناك، فإن نجا من الأول لا بد من أن يكون في يد الثاني.

هو السؤال الذي دار بخلد الجميع، كيف فعلها هذا الشاب العشريني، كيف أدار المعركة بحنكة، وأعلن حالة الطوارئ لدى الاحتلال حيث كان التأهب على أقصى درجاته، والرهان من قبل ضباط الاحتلال على فشل دولة إسرائيل إن فشلوا في الإمساك به، فكان الاستعانة بالخط الثاني – جماعة التنسيق – لجمع المعلومات والتحري والإبلاغ عن أي مشتبه.

أعادني ذلك الأمر لتذكر الشهيد نشأت ملحم رحمه الله وكيف كانت عمليته نوعية، وتذكرت فترة المطاردة والامتناع عن استخدام أية وسيلة تكنولوجية من شأنها إكساب العدو نقاطًا، أدركت حينها أننا لسنا شبابًا طائشًا نمر على الأحداث مرورًا عابرًا، ونعلنها غضبة إلكترونية وهاشتاغات صاخبة زمنيًا، ثم تخبو جذوة غضبنا ونعود بخفي حنين ويستمر المخطط الاستعماري.

أدركتُ أننا شعبٌ ولاّد، لا نموت بل موتنا يُحيي فينا عزيمة، ويجعل من فردنا جيشًا قادرًا على جيشٍ بعتادٍ كامل مضافًا له متخاذلين ومتواطئين.

فلسطين على موعد من أبطال آخرين لم يُكشف عنهم بعد، على خُطى سابقيهم من الأبطال، فببقاء الاحتلال يبقى الأبطال، بفنون قتالية تُولد حسب الموقف وحسب نوعية الألم الذي سببه لنا هذا الكيان الغاصب.

جالت في خاطري مقولة ذكرها الإعلامي نزيه الأحدب في إحدى الفعاليات حيث قال: «نحن لسنا أطول احتلال، بل أطول مقاومة» مشددًا على قوله بالإعادة، تأملت مقولته الصادقة بصدق الواقع فعلًا نحن أنهكنا الاحتلال بمقاومتنا ونفسنا الطويل الذي لا يمل من المقاومة لاسترداد حقه.

وقد قيل من قبل «إما النصر وإما الشهادة»، أمران كلهما سعادة، هذا حال شعبي نصره الله ورحم شهدائه.