السهل السومري بالإضافة إلى كونه خصبًا نتيجة الطمي المتراكم بفعل النهرين خلال مسيرتهما، فإن الفراتين غنيان بالسمك بالإضافة إلى تشكيلهما بحيرات واسعة حيث بنيت أول مدينة سومرية (أوريدو) على ميناء طبيعي تصلها بالخليج العربي من ناحية الجنوب، كما يفتح الشمال أفقها نحو الأناضول والمتوسط غربًا وعلى جزيرة العرب من الجنوب الغربي، وبدأت تتشكل النواة التجارية الأولى بالاستعانة بالمسطحات المائية بواسطة القوارب الصغيرة التي بدأت المدن السومرية صناعتها منذ (عصر العبيد)[1] وعلى أساسها أنشئت أول مدن سومر، (أوريدو) و(شروباك)[2] التي سترتبط بالطوفان وبطلها الأسطوري (أوتا نبشتيم) فالفيضان الدوري للفراتين على سواحل الخليج العربي الذي لم يكن قد انحسر تمامًا والقوارب مع الرعب البشري المستدام من الموت المحدق إضافة إلى الوعي الميثولوجي وضعا أسسًا لأهم ملحمة إنسانية على المستوى الثقافي العالمي وأكثرها شيوعًا، كانت (أوريدو) أول مدينة سومرية تؤسس في الجنوب الرافدي اعتمادًا على المقومات المذكورة.

التحول نحو الذكورة

ففي أواخر الألف الخامسة قبل الميلاد انتهت عمليًا مرحلة (حضارة حلف)[3] شمال السهل (الميزوبوليتامي)[4] لتنهض مدن الجنوب بداية مع (أوريدو) مدينة أبو شهرين الحالية، إذ بدأت معالم المدينة بالظهور وليس غريبًا أن تبنى المعابد البدائية في أعلى (زقورة)[5] مرتفع يبدو كان في البداية لحمايتها من الفيضانات التي اتسم بها الفرات ولربما اتخذ معنى لاهوتيًا ليكون معبدًا لـ(أنكي)[6] مشرفًا وراعيًا للمدينة الجديدة ومن الملاحظ أن الذكورة بدأت تحل محل آلهة الأنوثة ليس من المؤكد أن يكون الرب (أنكي) هو المعبود الرسمي في (أوريدو) القديمة ولربما شاركه في الملك معبودات أخرى ولكن الأساطير اللاحقة لهذه المرحلة تنسب (أوريدو) للمعبود (أنكي) قبل الطوفان، فيظهر القارب في مدفن أوريدو مع الميت إلى جانب الأواني الفخارية التي سيخدمها الميت في العالم الآخر لطعامه وشرابه، ولعله تصور لدى السومريين القدامى برحلة سيقوم به الميت عبر المياه، ومن غير نهري الفرات ودجلة إلى عالم آخر ومرفق بدمى لعلها تمثل المعبود (أنكي) وهو واضح الذكورة. وقد يظن أنه المعبود الممثل الأمومة بشكل ذكر.

وفي وقت لاحق تظهر مدينة (أور)[7] في عصر تل العبيد التي اشتهر فيها في تلك الفترة الزمنية معبد (آني بادي) ثاني ملوك الأسرة الأولى في (أور)، وفي مدافن هذه الأخيرة يلاحظ وجود آلهة الأمومة ولكن ينتابها تغير هام لعله المنعطف الأكثر أهمية في مسيرة تمرحل الميثولوجيا السومرية فالدمى الذكرية موجودة ولكن يحدث تطور على آلهة الأمومة فسره أنطون موتكات[8] على أنها رأس قطة بينما فسرها محمد عبد اللطيف على أنها ضفدع أو سحلية[9] وربما كلا الباحثين تجاوزا قراءتها فلم يروا لها أهمية تذكر فيما لو ربطت التحولات الميثولوجية من خلال المخيال السومري العتيق المنعكس عن واقع معاش فعلًا، فلن تجد في الرأس سوى (سمكة) وهو نفس الرأس الذي مثلت به الدمية التي ذكرت في أوريدو وبالتالي يمكن ولوج الوعي السومري من هذا المنفذ الذي على ما يبدو صوَّر للصياد السومري الماهر معبودًا ما ولعلها (أنكي) لأنه رب الماء فكان الرزَّاق الفعلي للثروة السمكية فلم يحرم الإنسان السومري فقيده طعامه الأساسي في عالمه المجهول.

 كما يحدث تطور فريد من نوعه على آلهة الأمومة إذ تبدو أكثر رشاقة وحيوية وتختفي مظاهر التضخيم لمعالم الأنوثة والخصب وأكتفي بالترميز برضيع تحمله الدمية على ثديها الذي لا يبدو مبالغًا فيه على الإطلاق كما كان في السابق، كما أن الشقيقة الثالثة هي (أوروك) الورقاء التي يرجح أن الاستقرار بها كان في المراحل المتأخرة من (عصر العبيد)، وهذا لا يعني أن الشمال الرافدي قد توقف عن النمو فبدأت مدن بلاد آشور بالتبرعم في نينوى بالتزامن مع بدايات مدن في تل العقير وجبل سنجار، وبهذه الملامح المغرقة في كثير من الأحيان، التفاصيل الصغيرة المتناثرة على أرض الرافدين هي السبيل الوحيد للملمة فكرة تقترب من الحقيقة من حضارة قامت في فجر الحضارة الإنسانية ليفصل بين وبين التاريخ المكتوب من الناحية الأركيلوجية طبقة رسوبية يصلح عليها بطبقة الترسيب الطوفاني التي ستفصل بين ما يصطلح عليه (حضارة أوروك)[10] الورقاء.

الأنثى السومرية الجديدة

ولم تختفِ فكرة تقديس الأمومة بمعنى استحواذها على وعيه تمامًا بل بقيت مستمرة لدى الإنسان الرافدي حتى بدايات الأسرات لتتحول فكرة الأمومة جزءًا من منظومة عقائدية أكثر تعقيدًا وهذا ما سنلاحظه خلال الدراسة ففيما تركته أقدم تجمع سكاني مكتشف في بلاد الرافدين وهي قرية (جرمو) تعود أقدم طبقاتها الست عشرة إلى ما يقارب الـ6750 ق.م، أي إلى العصر الحجري الحديث التي ضمت بين لقاها تماثيل للمعبودة الأم (وقد مثلت آلهة الأمومة بشكل أنثى بدينة متضخمة الساقين تجلس القرفصاء) ومن الواضح المستوى الترميزي للمعنى في المنتج الثقافي الطيني عند الإنسان الرافدي القديم وكأنه أراد أن يمثل الخصب على خلفية الأنثى وبمعنى آخر الخصوبة المنتجة محملة على الأم الأنثى ولعل تطورًا ما قد طرأ على التصور الإنساني لأنثى بعد اكتشاف الزراعة فلم تعد الأم القائد الفعلي للتشكيل الاجتماعي الوشائجي كما كان الحال إبان الحقبة القطعانية فقد تحول التشكيل المجتمعي من السير السرمدي الذي كان يبدو بلا نهاية يقتات ما يجده مما يسد رمقه للبقاء إلى أمان الاستقرار في مجتمع مستقر في قرى زراعة ويبدو أن تلك المرحلة تعود بحسب التقويم السومري إلى مرحلة ما قبل الطوفان ولربما كان السهل الرسوبي في الجنوب مأهولًا بقرى من أخوات (تل جرمو) في (أوروك) و(أوريدو) وغيرها من المدن السومرية التي سيكون لها حضور سياسي في المراحل اللاحقة.

سقوط الأنثى

يبدو أن السقطة الرمزية للمعنى الأنثوي بلغت أشدها لدى الإنسان الرافدي والنزعة نحو الملكية حول الأنثى من رب متعالٍ في شأنه إلى بضاعة يمكن الاستحواذ عليها، وهو بالضبط الذي أشار إليه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في تفسيره الفلسفي للزواج وتؤكده الأسطورة الرافدية، فإن تحول النظرة الرافدية للمرأة جعل منها مصدرًا للشرور، وعرضة للصق جملة صفات من جملتها (الكيد العظيم) والتلاعب والعبث الأمر الذي بلغ أشده لدى الديانات الإبراهيمية، فيمكنك في هذا الصدد مراجعة الأحكام الفقهية اليهودية حول المرأة أثناء الدورة الشهرية، بالإضافة إلى مجموعة الأحكام المتعلقة لدى الأديان المشرقية كافة.

ففي ملحمة جلجامش نقل لحوار بين الملك جلجامش المنتصر المالك لشعبه وأرضه مع عشتار ربة الأنوثة وسيدة لمعبد المومسات المقدسات، فيقول النص:

«أي خير سأناله لو تزوجتك؟

أنت! ما أنت إلا الموقد الذي تخمد ناره في البرد

أنت كالباب الناقص لا يصد عاصفة ولا ريحًا

أنت قصر يتحطم في داخله الأبطال

أنت فيل يمزق رحله

أنت قير يلوث من يحمله وقربة تبلل حامله

أنت حجر مرمر ينهار جداره

أنت حجر «يشب» يستقدم العدو ويغريه

وأنت نعل يقرص قدم منتعله».[11]

وفي لهجة عدائية أخرى من الملحمة ذاتها وهذه المرة على لسان البطل الثاني أنكيدو الذي يخاطب عشتار مهددًا: «لو قبضت عليك لقتلتك مثله، ولربطت أحشاءه بأطرافك».[12]

بينما تشغل أم جلجامش دور الناصح ومفسر الأحلام في الملحمة، ولا يخفى الدور الهامشي للمرأة الرافدية، وبعدها عن مراكز صناعة القرار السياسي.

فتبدو فكرة الملكية الخاصة كانت الباب إلى التحول المجتمعي ونظرته للمرأة والأنوثة، وفيما لو جلت ببحثك في الحضارات القديمة إبان انتقالها لمرحلة التملك والتجارة والتربح ستفصح لك عن ذلك الانقلاب الجندري في الذهن البشري.