أسابيع تتوالى وأنا أتجنب الكتابة عن هذا الموضوع؛ رغبة مني في تفادي الأفكار التقليدية، ولغة الخشب التي يُتناول بها غالبًا، والخالية من أي تأثير، سوى قليل من السخط ينتهي بضعة دقائق بعد قراءة الموضوع، تجنبت الكتابة عنه طويلًا، لكن صبري لم يكن كإرادتي؛ فقد نفد مبكرًا، والدليل أنني تناولت قلمي الآن، وصرت أخط هذ الكلمات التي تقرأونها، لم أستطع أن أشفي غليلي، إلا بالكتابة، ولأن الأفكار تتقافز إلى مخيلتي تباعًا كلما فكرت في معضلة التعليم، وفي الجرائم الخفية التي تحصل في المدارس يوميًا، ويذهب ضحيتها الكثير من التلاميذ – مواطني المستقبل – فسأعطي لقلبي القلم قبل عقلي؛ كي لا أقع في اللغة التقريرية المملة، وأفلح في التعبير عن حقيقة ما يحصل وخطورته، وعن الغضب الذي أشعر به تجاه هؤلاء المجرمين في حق الإنسانية والإبداع والعقل.

سألت نفسي عدة مرات: ما الذي أفادتني به المدرسة؟ ولكي أكون منصفًا، سأقول إنه بفضلها تعلمت أن أكتب هذه الحروف وألصقها ببعضها كي أُكَوِّنَ جملًا ذات معنى، إضافة إلى بعض العمليات الحسابية، وبعض الكلمات من بعض اللغات الأجنبية، لكن سألت نفسي أيضًا هل الوقت الذي قضيته في المدرسة كاف لتعلم هذه الأشياء؟ وما الذي فقدته في المدرسة؟ في الواقع كل ما علمتني إياه المدرسة خلال سنواتي العشر التي قضيتها في فضاءاتها قد أتعلمه لوحدي خلال عامين أو ثلاثة، لكن ليس هذا هو الصادم، بل المخيف أنني لم أكن أعشق الذهاب إلى المدرسة على الإطلاق، ووجدت نفسي بعد السنة الأولى في الجامعة خالية من أي شغف للتعلم وحب للمعرفة، نعم هذا هو الشيء الثمين الذي فقدته وسرقتْه مني المدرسة، ولا تزال تسرقه من آخرين، حب التعلم والفضول المعرفي والشغف؛ إذ تكاد تكون المدارس مجرد مصانع لقوالب متشابهة بعضها ببعض دون أي إبداع أو اختلاف يُذكر.

يقول المثل الإنجليزي الشهير: (خطأ الطبيب يُدفن تحت الأرض، وخطأ المهندس يَسقُط فوق الأرض، وخطأ المعلم يَمشي فوق الأرض)، لن أقول لك بأن هذه القولة تبين لنا الأهمية الكبيرة والمركزية التي يلعبها المعلم في مجتمع ما لكونه العنصر الذي يَبني أفراد المجتمع، وكون تهاونه خطأ فادحًا يهوي بسببه المجتمع إلى مستنقعات الجهل والتخلف، ولن أقول لك بأن خطأيْ الطبيب والمهندس هما في الأصل أيضًا من أخطاء المعلم؛ لأن المعلم هو من أنتج لنا المهندس والطبيب الفاشلين، لكن سأقول لك إن أردت أن تعرف تقدم مجتمع من تخلفه فانظر إلى حال الأستاذ والمعلم فيه لأن فشل مجتمع ما مرتبط ارتباطًا مباشرًا بفشل التعليم. أنا لا أعلم في الحقيقة هل نحن واعون بأهمية التعليم أم لا؟ رغم كثرة ما يُكتب بهذا الصدد، وبرغم تعدد الصيحات في كل مكان عن هذا الأمر، لا أعلم حقًا هذا، بل أكاد أجزم بالعكس والدليل هو استمرارنا في هدم قيمة المدارس وإفشال التعليم بكل الوسائل الممكنة.

لن أتحدث أيضًا عن مظاهر فشل التعليم المتنوعة والمتعددة، ولن أسرد الأسباب المعروفة التي ساهمت في هذا الفشل ابتداءا بالسياسات الفاشلة والسخيفة التي تنهجها الحكومة طوال سنوات عدة مرورًا بالمعلم الذي يجري خلف المال ناسيا دوره الرئيس كمرب للأجيال وبان للمجتمع، وانتهاءً بالمشاكل البنيوية والمؤسساتية والاكتظاظ، وسأكتفي بذكر جملة للعالم الفيزيائي نيل تايسون معبرًا عن ضخامة ما يحصل داخل أسوار المدارس من لا مبالاة وإجرام، حيث يقول: (إن الأساتذة الذين يجعلون الفيزياء مملة هم مجرمون)، حسنًا أيها العالِم، ربما أنت تتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تتجاوز جودة تعليمها جودة تعليمنا بسنوات ضوئية، لكن إذا ما أردنا أن نطبق قولتك على حالنا فتحصل الكاثرة وتُخرِج لنا المعادلة نصفَ المجتمع مجرمين والنصفَ الآخر ضحايا، نعم هذا يدعو للفزع والخوف، لكن في نفس الوقت هذه حقيقة لا يجب إنكارها، فالكثير من المدراس عندنا هي مجرد مسارح لجرائم كثيرة يقوم بها المعلمون ويتعرض لها الطلاب والتلاميذ، يكفي أن المناهج والدروس مملة لدرجة الغثيان والأساتذة أنفسهم يصرخون ويحتجون على هذا، دون أن ننسى أسلوب الحشو الذي يلحظه الكثير منا والذي يؤدي إلى اغتيال ملكة التفكير والعقل لدى التلميذ، وبالتالي يصبح أشبه بجهاز تتم برمجته على ما يمليه الأستاذ، ثم يقوم بمهمته كما يريدها النظام.

إن الأنطمة الديكتاتورية تعمل على أن لا يكون التعليم فيها ذا جودة عالية يقوم على التفكير والإبداع،؛ أنه ببساطة، هذا النوع من التعليم لا يتماشى مع رغبات النظام نفسه وهي إنتاج مواطنين مطيعين لرغبات وأوامر النظام غير مهتمين بالتفكير في ما وراء الأشياء أو أسبابها أو كيفية اشتغالها لتفادي أية ثورة على النظام الذي في أصله فاشل. إننا إذن أمام أُناسٍ مجرمين، لكنهم مجرمون بلا عقاب، وجرائمهم ليست ملموسة، وليست هناك طريقة لمعاقبتهم، بل الأدهى من ذلك أن جرائمهم ليست شأنًا خاصًا بهم وحدهم أو يروح ضحيتها شخص واحد، بل أمة بكاملها تغفو وتقبع في براثن التخلف إلى الآن بسبب منظومة تعليمية أقل ما يقال عنها إنها فاشلة وسخيفة.

أما إذا ألقينا نظرة على مساجدنا، هذه البنايات التي كانت قبل قرون من الزمن منبعًا لشتى أنواع العلوم والمعارف وتربة خصبة لثلة من العقول الفذة من رجالات وعلماء هذه الأمة، فسنرى أنها بدورها أصبحت مجرد إسمنت وآجورات تساهم في صناعة الجهل والتخلف أكثر مما تنير وتُعَلِّم.

وصارت صلوات الجمعة مناسَبةً رائعةً لأخذ قسطٍ وافر من الراحة والنوم بسبب مللٍ وطفوليةٍ جامحَيْن تتصف بهما الخطب التي يحفظها الإمام عن ظهر قلب من كثرة التكرار الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع. فهو يتحدث اليوم عن عيد الاستقلال أو عن الرضاعة الطبيعية والرضاعة الصناعية، ثم يعود ليتحدث عن نفس الموضوع بعد أشهر قليلة، ولا أرى شخصيًا فائدةً من هذه الخطب؛ لأنها في الحقيقة ليست لها أية فائدة، وإلاَّ فلماذا لا نزال متخلفين رغم الخطب الأسبوعية المتتالية لعقود من الزمن، إضافة إلى هذا فإن المساجد أصبحت جزءًا من النظام الذي تحدثنا عنه سالفًا، وبالتالي فمن البدهي أن لا يكون للمسجد في هذا النظام أي دور في التوعية والتثقيف وإعمال العقل والتفكير؛ لأن الثورة على الجمود والتقليد ستكون وليدة هذه التوعية. جرائم المساجد لا تتوقف عند هذا الحد، بل حتى ما تتناوله المساجد والأئمة من مواضيع أصبحت غريبة عن المجتمع كليًا، لدرجة أن من يدخل إلى مسجدٍ مَا يعتقد أنه دخل إلى عالم آخر غير الشارع الذي قدم منه، وسبب هذا أن ما يعيشه في الشارع من مشاكل يومية كالبطالة والسرقة والجهل لا يتحدث عنها الإمام إطلاقًا، بل يدعو إلى الرضا بالقدر والقضاء وتسليم الأمر لله والتوكل عليه.

لا أريد أن أطيل الحديث؛ لأن هذا الموضوع يستفزني ويغضبني أكثر من أي شخص آخر والسبب أنني لا أرى أية حركة من أية جهة لتغيير ما هو حاصل، وكأن الكلَّ مُغَيَّب أو لا أحد يعيش هذه المشاكل الكارثية، لا أرى أي تدخل لا من الحكومة ولا من المواطنين. وأريد فقط أن أختم هذه التدوينة برسالتين:

أولاهما أوجهها للمنظومة التعليمية والمساجد ولا أقصد هذه الأشياء بعينها، بل من يقف وراءها والمسؤول عن اشتغالها، وأقول لهم مبروك عليكم، فقد أنجزتم مهمتكم بنجاح باهر وأنتجتم جيلًا معاقًا، معوقًا ومتخلفًا وصرنا بفضلكم نتبوأ أسفل المراكز وأحط المراتب بين الأمم وصار الجهل قائدًا لنا وسيدًا علينا، وهذا هو الواقع ولا مفر منه ولا مجال لإنكاره، وأي يشخص تُسَوِّل له نفسُه إنكاره، فهو يكذب على نفسه وعلى الحقيقة.

أما الرسالة الثانية فهي إلى المسؤولين أنفسِهم وإلى المواطنين، فَحْوَاها: من فضلكم نرجوكم أن لا تمسوا بقُدسِيَّة التعليم من أجل مصالحكم الدنيئة ولا تُعمِّقوا جراحاتِنا أكثر مما هي عليه، فلا مجال للانحدار أكثر من هذا فقد سئمنا – والله – التخلف والجهل الذي نستنشق هواءهما أكثر من الأوكسجين وأرجوكم تحركوا من أجل إنقاذ التعليم الذي هو في مرحلته الأخيرة من الاحتضار.