255b2158-1e9e-428d-982e-f87567de56ad.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نجوى بركات

كتب الروائي ميلان كونديرا: “لا يتساءل كافكا عن الدوافع الداخلية التي تحدّد سلوك الإنسان، وانما يطرح سؤالاً مختلفاً جذرياً: ما الذي يتبقى من امكانات الإنسان في عالمٍ أصبحت الأسباب الخارجية فيه ساحقةً إلى درجةٍ ينعدم معها وزنُ محرّكاته الداخلية”.

لا علاقة مباشرة بين رواية ميلان كونديرا “المزحة”، و”الصفعة” التي وجّهها العقيد في الأمن العام اللبناني، حسين خشفة، إلى العامل اليومي، حسن عقيل، في أثناء اعتصامه وزملاء له مياومين في شركة كهرباء لبنان، للمطالبة بتثبيتهم ودفع أجورهم، وهو ما أثار غضبا عارما ضجّت به مواقعُ التواصل الاجتماعي على اختلافها. لا علاقة مباشرة فعلا، وإنما أوجه شبه كثيرة بين مصير بطل “المزحة” لودفيك وما آل إليه مصير المواطن اللبناني حسن عقيل الذي، إن كان لا بد من كتابة روايته، فلا مناص من اختيار عنوان لها هو “الصفعة”، أو “كفّ الدولة” كما أطلق عليها في حسابات تويتر.
في روايته الشهيرة، “المزحة”، يتناول الكاتب ذو الأصل التشيكي، والجنسية الفرنسية، ميلان كونديرا، عبثية الأنظمة التوتاليتارية وقسوتها في تدمير مصائر الناس، إذ يروي لنا قصة بطله لودفيك، الطالب الشيوعي الذي يرسِل إلى زميلته الحزبية الجميلة، ماركيتا، رسالة حبّ يختمها بممازحتها قائلا: “التفاؤل أفيون الجنس البشري. العقل السليم يُعفّنه الغباء. عاش تروتسكي”، في تنويعةٍ على جملة ماركس الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”. تحمل ماركيتا الرسالة إلى إدارة الجامعة، فيتم استدعاء لودفيك إلى التحقيق والمحاكمة، وينتهي الأمر بطرده من الجامعة، وفصله من الحزب، ونفيه، باعتباره أحد أعداء الشيوعية، إلى ثكنة عسكرية للسود الذين يعتبرهم النظام الشيوعي أعداءً له. “بلا سلاح، كانت تدريباتنا بوجه خاص عبثية، إذ لم يكن هدفها إلا تسفيه حياتنا”. هذا وتجري الرواية على لسان أربع شخصيات، تروي كلٌ منها ما حدث للودفيك المرح من وجهة نظرها. فإلى جانب الأخير، هناك هيلينا عشيقته وزوجة صديقه بافيل الذي تخلّى عنه بعد كارثة “الرسالة”. هناك أيضا جاروسلاف الموسيقيّ الفنان، وكوستكا الحزبيّ المتدين الذي صار شيوعيا، من غير أن يكون ملحداً.
في رواية المواطن اللبناني (لنسمّه افتراضا حسن عقيل) المهان يوميا في لقمة عيشه، وفي لقمة خبزه، وفي الهواء المحروق الذي يتنشق، والماء الملوث الذي يشرب، وفي النفايات التي تغطيه حتى أذنيه، وفي قصص السرقة والمحاصصة ونهب ثروات البلاد وتهريب المخدرات وتبييض الأموال، وانعدام أي ضمانات تعليم أو طبابة أو شيخوخة، وتعرّضه للظلم واستباحة كل حقوقه، وإغراقه في دفع ضرائب لا تعود عليه بأية فائدة، مع مليون ونصف مليون مواطن تحت خط الفقر، وبطالة تبلغ 25%، مع نسبةٍ تصل إلى 34% لدى الشباب ولدى النساء إلى 18%… في ظل هذا كله، وهو جزء يسير من فيض، سوف “يأكل” المواطن إياه صفعةً على وجهه، تأنيبا من أحد رموز السلطة، لأنه تجرّأ واعتصم وتظاهر وطالبَ، متذّرعا بأنه يريد أن يأكل، وبأنه لم يقبض معاشه منذ ستة أشهر!
في الواقع، حسن عقيل الذي قد يمثل المواطن في روايتنا، كان جالسا جانبا على كرسي، منهكا بعد تعب الوقوف اعتصاما. هو لم ير عبثية الموقف. لذا تراه استمرّ صامتا، ولم يأت بردّ فعل إثر تلقيه الصفعة. والحقيقة لست أفهم كيف أنه لم ينفجر ضاحكا، في وجه العقيد الذي جاء يؤنبه حفاظا على النظام، وعلى هيبة الدولة. إنما، في الرواية الكافكاوية التي اسمها “الصفعة”، ينظر حسن إلى العقيد الذي صفعه مطولا، قبل أن ينفجر ضاحكا، مطرطشا بروحه المطحونة وقهره المخلّل، وجهَ العقيد وبذلته.
أخيرا، وبالعودة إلى الروائي ميلان كونديرا، فقد كتب التالي: “لا يتساءل كافكا عن الدوافع الداخلية التي تحدّد سلوك الإنسان، وانما يطرح سؤالاً مختلفاً جذرياً: ما الذي يتبقى من امكانات الإنسان في عالمٍ أصبحت الأسباب الخارجية فيه ساحقةً إلى درجةٍ ينعدم معها وزنُ محرّكاته الداخلية”.
اضحك يا حسن. اضحك، فما يجري لك ولنا يعدو كل عبث وهزل ومنطق.

إعجاب تحميل...