e3982900-0509-43e4-b22c-005b3539d3b0.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

منذر الحوارات

الأسد أضعف الأطراف والمرتهن لها بدون تردد، إلا أنه على الساحة السورية أقواها، لأنه الرابط الوحيد بينها، ولولاه لفقدت أي ترابط قد يجمعها، وأدخلت في دائرة الصراع بدل التحالف، لذا فالأسد بالنسبة لهم الوسيلة التي ربما تتحول إلى غاية.

لم يزل دخان الطائرة الإسرائيلية المُسقطة، وكذلك اثنا عشر موقعاً سورياً وإيرانياً ينطلق في هواء المنطقة طارحاً تساؤلات ومخاوف عديدة، وعاجلاً أم آجلاً، ستتم محاصرته في مواقعه المختلفة، بعد أن يكون كل طرف قد أرسل رسالته وحقق مراده، فظاهرة المواجهات الدولية على الأرض، ومثلها السماء، أصبحت تشكل حيزاً تتزاحم فيه القوى من كل حدب وصوب في سورية، ما يذكر بخطاب رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حين بدء الثورة، إن زعزعة أركان نظامه سوف يجعل المنطقة بأسرها يعمها الخراب، وستصبح خارج حسابات الاستقرار سنوات عديدة. وليس معلوما ما إذا كان حديثه من واقع معرفته بالأهمية الاستراتيجية لسورية، أم لثقته بأنه ونظامه قادران على التخطيط لمثل هذا المآل؟ أياً تكن الإجابة، السؤال الآخر الذي يُلح على كل من يتناول الشأن السوري، وهو ماذا لو كان النظام استجاب لمطالب شعبه، وأتاح الفرصة للسوريين كي يمارسوا حقهم في أن يكونوا أحراراً، هل وصل الأمر إلى هذا الحال المُذل؟ وبعيداً عن التمنيات التي تكتسي طابع التخيل، وتلبس ثوب الحزن، فالحال الذي تصل إليه ساحة الصراع السوري أنها أصبحت مثل برميل بارود في أي لحظة يقدر على تفجير المنطقة برمتها، ليس لأن الأطراف تريد ذلك، بل ربما لأنها لا تريد، فالنظام رهن بقاءه لأطراف خارجية يدين لها باستمرار وجوده، الأمر الذي جعله لا يملك من قراره شيئاً، سوى أنه الوسيلة الوحيدة لبقاء داعميه موجودين، متسلحين كل بأهدافه الاستراتيجية، وربما بأهدافه الداخلية، فما الذي سيدفعهم إلى نسف كل تلك المصالح بالذهاب إلى لخبطةٍ غير محسومة العواقب، فمثلاً الطرف الأقوى روسيا، أتاح لها الأسد الظهور طرفاً دولياً قوياً مدافعاً عن مصالح الأمة العظيمة، روسيا أياً تكن تلك المصالح، وكذلك أتاح لرئيسها أن يبدو داخلياً كأنه واحد من القياصرة الذي سوف يعيد مجد الأمة التليدة.
“لم يكن أحد سوى الأسد قادراً على إيصال سورية إلى الحد الذي يتيح لإسرائيل دكّ أي موقع تشاء في سورية”

أما إيران فقد أعطاها الأسد الفرصة التاريخية، كي تبدو كحصان طروادة الذي حمّلتهُ إيران، ليس فقط الجنود، بل أحقاد التاريخ والرغبة في العودة منتصرة، بعد أن راودته أحلام الإمبراطورية، وما المانع ما دامت الساحة موجودة، والأعداء المفترضون هم أنفسهم من سوف يتمسكون بذلك الحصان الخشبي، بل وربما يدفعونه عنوة، ومرة أخرى ما الذي سيدفع إيران إلى التنازل عن كل ذلك لمصلحة اللامحسوم.
أما حزب الله، وهو الأداة الأكثر قوة، فقد أعطاه الأسد الفرصة، كي يعود من جديد بعد أن أسقطت المعادلة السابقة دوره الفعلي، وجعلته على هامش الصراع أداة في يد إيران فقط. أما الآن، فما الدافع كي يغامر بذلك كله، وهو السيف ونصله. وعودا على السؤال: هل خطط الأسد لذلك كله أم جاء بمحض المصادفة؟ فعلى الرغم من أنه أضعف الأطراف والمرتهن لها بدون تردد، إلا أنه على الساحة السورية أقواها، لأنه يمثل الرابط الوحيد بينها، والذي لولاه لفقدت أي ترابط قد يجمعها، وأدخلت في دائرة الصراع بدل التحالف، لذا فالأسد بالنسبة لهم هو الوسيلة التي ربما تتحول إلى غاية.
أما الطرف الآخر في المعادلة السورية فهي المعارضة، بل المعارضات السورية، وهي حكاية أخرى لا تقل، هي وداعموها، بؤساً عن النظام، فمنذ بدأت حوّلت الصراع في سورية من اشتباك بين نظام حكمٍ وشعبه حول شكل الحكم من دكتاتوري إلى ديمقراطي يمنح الشعب حقه في الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرار إلى حالة من الحرب بين نظام ومعارضة مسلحة، ما أعطى النظام الفرصة للمحاججة في ولاء تلك المعارضات المسلحة للقيم التي نادت بها. طبعاً ليس المقام هنا هو عن “داعش” أو أمثالها من التنظيمات الإرهابية، بل هي المعارضات المعترف بها، فهذه كانت بحاجة كي تنخرط في الصراع مع النظام لداعمين بالمال والسلاح، وكانوا كثيرين إلى الدرجة التي أدت إلى أن تضيق بهم الأجندة التحررية للمعارضة. أما الباقون عسكرياً الآن، فلنأخذ القوة الأعظم، الولايات المتحدة، والتي قررت ذات يوم أن منطقة الشرق الأوسط ليست بحجم مصالحها الاستراتيجية، فقرّرت أن من العبث إنفاق المال والسلاح والرجال فيها، ولكن فجأة توفر لها المال والرجال، بل والتمنّي عليها من كل طرف أن تكون موجودة في مكانٍ لم يكن لها وجود سابقاً فيه. وها هي الآن تسيطر على ثلث سورية، وتمسك بفصائل تهدد حليفا لها، فيما لو فكر في تجاوز عتبة الاستراتيجية الأميركية ذات يوم، أعني هنا قوات سورية الديمقراطية، فأي حمقٍ إذاً سوف يدفع الولايات المتحدة إلى المغامرة بذلك كله لصالح رهانات غير واضحة، أو ليس حرياً بالولايات المتحدة أن تجعل الأسد أيقونتها الغالية في سورية، وتحمي بقاءه تحت أي ظرف؟
أما تركيا فقد جعلت حق الشعب السوري في الخلاص من نظامه وسيلتها لكي تكون الطرف الأهم من المعارضة. ولكن ألم يدغدغ حال سورية أحلام الإمبراطورية لديها بعد أن توفرت الأرض البوار لأجل ذلك، فما المانع، أو ليس الأسد هو من حقق ذلك؟

“دماء الشعب السوري وويلاته وهجراته المرّة في العالم، ليست في وارد اهتمام اللاعبين على الأرض السورية”

أما أكراد سورية فقد كان جُل أمنياتهم الحصول على الاعتراف بأنهم سوريون، فها هم الآن على أعتاب حكم ذاتي قد يتطور إلى ما يشبه دولة، ويكونون بذلك واحدة من الأدوات الأميركية، فلماذا إذاً سوف يسعون إلى زوال الأسد، وهو الذي بدفاعه المستميت عن حكمه أوصلهم إلى هذا المآل.
أما إسرائيل التي تظهر طرفا محايدا، فلم يكن أحد سوى الأسد قادراً على إيصال سورية إلى هذا الحد الذي يتيح لها دكّ أي موقع تشاء في سورية، بدون حسيب أو رقيب، بحيث أصبح إسقاط طائرة، وربما بالمصادفة، انتصاراً يُحتَفَى به، ويُسجل نصراً مؤزراً، فما الذي يدفع إسرائيل لمحاولة تغيير هذا الحال، طالما أنه في صلب مصالحها، أليس الغباء وحده؟ ومع ذلك، ربما يدفع الحرص الشديد جميع الأطراف على عدم وقوع ما قد ينسف كل تلك المصالح، ويضربها بعضها ببعض، من حيث لا تريد ولا تتمنّى. ولكن، إلى ذلك الحين، سورية مستباحة، ولا سبيل يبدو أمامها سوى الأسد وعائلته ونظامه. أما دماء الشعب السوري وويلاته وهجراته المرّة في العالم، فإنها ليست في وارد اهتمام اللاعبين على الأرض السورية، أما الأسد ومعادلاته، فإني أودّ طرح سؤالٍ: هل كان الأسد أولاً أم الشيطان؟

إعجاب تحميل...