0b1a058b-d54f-4d96-ba5e-b86e9fe8e47d.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سامح راشد

لا يمكن لباريس أو غيرها التحرك من دون مشورة وتنسيق مسبق، من دون أن يعني ذلك تحالفاً أو توجهاً واحداً. وعندما يكون وراء التهديد رغبة في الاضطلاع بدور محوري، واكتساب مظهر قيادي، فلن يتجاوز التحرّك الفعلي حدود التهديدات الإعلامية.

بينما تتجه واشنطن وموسكو إلى التهدئة بشأن الأوضاع الميدانية، والتفاهم بشأن الحلول السياسية، في سورية، تتبنى فرنسا لهجة تصعيدية ضد النظام في دمشق، وصلت إلى التلويح باستخدام القوة، عقاباً له على استخدام الأسلحة الكيميائية، على أساس أن ذلك خط أحمر لدى إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون. في استعادة لمشهد مشابه، عندما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، أيضاً أن استخدام الكيميائي خط أحمر.
وكما كان الحال مع إدارة أوباما، لا تمتلك باريس القدرة على القيام بعمل عسكري منفرد ضد سورية، أو ضد أي دولة أخرى. فالقيام بذلك في سورية (أياً كان حجمه) ليس قرار فرنسا أو أي دولة بمفردها. ربما تنفذه دولة واحدة، لكن القرار يكون جماعياً ويُتخذ بتوافق عدة دول، هي القوى الكبرى في العالم (بما فيها روسيا)، والدول الإقليمية ذات الثقل والتأثير في تطورات الأزمة.
ليست إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مترددة مثل إدارة أوباما، فإذا كان التصعيد الفرنسي حقيقيا، ونتيجة تنسيق مسبق مع أوروبا أولاً وواشنطن ثانياً، فلن تغير إدارة ترامب موقفها. أما إذا كان فقط بمبادرة فرنسية لاستغلال الموقف دعائياً في صالح رئاسة ماكرون، وهو الأرجح، فلن تجرؤ باريس على القيام بأي عمل عسكري في سورية. لذا، فإن تهديدات باريس ليست بالضرورة مؤشراً إلى عمل عسكري فعلي، فهي ربما تعكس فقط استياءً وغضباً فرنسياً من نظام بشار الأسد. ولكن حتى إن حدث ذلك فستكون فرنسا مجرّد منفذٍ لإرادة عدة دول وتوافقها.
وفي الأحوال جميعها، الهدف الحقيقي من الضغوط والتحركات الجارية على الأرض هو تحسين المواقف التفاوضية، ورفع سقف المكاسب السياسية في الحلول المحتملة من خلال تقوية المواقف العسكرية. وينطبق هذا على فرنسا تماماً مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، وكل الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية، سواء بشكل عسكري مباشر أو بدور سياسي أكثر.
ولا يجسد علو صوت فرنسا تحالفاً مع واشنطن. بل على العكس، ففرنسا ماكرون تسعى إلى لعب دور شبه مستقل، وتأمين وجودٍ وحضور يضمن لها مصالح في الشرق الأوسط ككل، بما فيه سورية مستقبلاً. بدليل أن تحركات فرنسا النشطة تشمل ملفاتٍ أخرى غير سورية، وبعضها لا تتفق فيه مع واشنطن.
مثلاً كان موقف باريس مستقلا ومختلفا تماماً عن واشنطن في أزمة استقالة رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري. وفي الملف الإيراني، لباريس (وأوروبا ككل) موقف مغاير تماماً وبعيد عن موقف إدارة ترامب، فبينما يستمر ترامب في تهديد إيران، يستعد ماكرون لزيارة طهران، الشهر المقبل، في أول زيارة من نوعها لزعيم أوروبي منذ سنوات.
فرنسا هي رأس الحربة السياسية لأوروبا في الشرق الأوسط. كانت دائما تلعب الدور السياسي، وألمانيا تهتم بالجوانب الاقتصادية والإنسانية. ودائماً هناك تنسيق في الأدوار وتكامل في التصورات وخطط الحركة، واشتراك في المكاسب وتوزيع نسبي (حصص) للغنائم والعوائد. أي أن حركة فرنسا النشطة، في شق منها، ممثلة لأوروبا.. وفي شق آخر، تعكس نشاط رئاسة ماكرون الشابة وحيويتها، ورغبة فرنسية في مزاحمة دور روسي تضخم، وملء الفراغ الذي تركته واشنطن. فتريد فرنسا ماكرون حضوراً وتأثيراً ونفوذاً سياسياً يحسب له، ويدعم موقف فرنسا وثقلها في الاتحاد الأوروبي، في مقابل القطب الأوروبي الآخر (ألمانيا).
قد يبدو الأمر ملتبساً ومتداخلاً، لكنها مقتضيات السياسة وقواعدها المعقدة، لا يمكن لباريس أو غيرها التحرك من دون مشورة وتنسيق مسبق، من دون أن يعني ذلك تحالفاً أو توجهاً واحداً. وعندما يكون وراء التصعيد والتهديد نزعة تنافسية ورغبة في الاضطلاع بدور محوري، واكتساب مظهر قيادي، فلن يتجاوز التحرّك الفعلي حدود التهديدات الإعلامية والتصريحات النارية.

إعجاب تحميل...