مشاهد درامية مثيرة، من الضروري أن تحكّ الذاكرة الجمعية، فتمارس، بالبداهة وبالطبيعة، فعل الاستدعاء والإحالة والمقارنة، فتضع مواقف مشابهة، عبرت، أمام مثيلتها الحالية، فتقفز على الفور حالات مئاتٍ من السياسيين، يتجرّعون الظلم والإهانة والتنكيل، داخل زنازين الطغاة.

 

الحكاية أن هناك صحافياً في مقتبل حياته المهنية أجرى حواراً تاريخياً مع شخصيةٍ قضائيةٍ وسياسيةٍ مرموقة، ونشره في موقع صحافي عالمي ومعترف بمهنيته.

فور نشر حوار المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، والذي كان مطروحاً نائب رئيس محتملاً، لمرشح محتمل، هو رئيس الأركان السابق سامي عنان، اشتعلت مواقد الكلام، وامتدت موائد التعليق على عظمة التصريحات القوية، وجرأة الآراء الموزونة للمستشار جنينة الذي تحول بعدها إلى أيقونةٍ معارضةٍ جسورة، ورمزاً للنضال ضد الظلم والفساد والطغيان.

اقتيد جنينة إلى المعتقل، وبدأت عملية اصطياد الصحافي الشاب معتز شمس الدين ودنان (25 عاماً) حتى تم اختطافه من سيارة كان يستقلها مع أهله، ثم إيداعه الحبس، تمهيداً للتحقيق معه، متهماً بالإرهاب وهدم الدولة وتقويض الاستقرار.. إلى آخر هذه اللائحة الطويلة المستوردة رأساً من كوريا الشمالية.

أظهرت تصريحات هشام جنينة رئيس الأركان المحبوس، سامي عنان، بطلاً مغواراً لديه من الوثائق والأدلة، ما يزلزل الأرض تحت الاستبداد والطغيان، فانطلقت حناجر أولتراس رئيس الأركان تطالب الذين شكّكوا في قدرة الفريق على إزاحة المشير من السلطة، بأن يبتلعوا ألسنتهم ويخرسوا ويكفّوا عن الطعن في إمكانيات الجنرال الأول، وجديته في تخليص مصر من جحيم الجنرال الثاني.

غير أن هذه النغمة سرعان ما اختفت، لتحل مكانها تصريحاتٌ كوميديةٌ تتهم المستشار جنينة، النائب المحتمل للمرشح المحتمل، بأنه روى عن عنان ما ليس حقيقياً، وأنه ليس ثمّة وثائق أو أدلة، فامتدت كتلة اللهب إلى داخل ما تسمى حملة الفريق الرئاسي، كل طرفٍ يرمي بها الآخر، لتظهر حالةٌ من الهشاشة، تقترب من تبادل أنخاب النذالة بين من يُفترض أنهم أعضاء الصف الواحد، وانتهى الأمر ببيانات رسمية من فريق دفاع عنان، وتغريدات منسوبة له، تتهم جنينة بما يقترب من الافتراء، ليتطور المشهد إلى اعتقال هشام جنينه، وحبسه خمسة عشر يوماً.

واصلت الدراما المثيرة صعودها بأن بدأت موجةٌ من التشكيك في قدرات المستشار هشام جنينة الذهنية، ساعة إجراء الحوار الصحافي التاريخي، ظناً من رفاق جنينة أن هذه وسيلة جيدة لتحريره من ظلمة المعتقل، وبلغ الهبوط أقصاه إلى حد الاتكاء على آراء طبية متخصصة، تذهب إلى أن الرجل أدلى بما أدلى به في حالة عدم تركيز وفقدان للرؤية، واضطراب مؤقت في الفكر، ومن ثم لا يجب الاعتداد بالحوار الصحافي الذي أجراه، باعتباره دليل اتهام أو إدانة.

وبصرف النظر عن أن هذه المحاولة لإنقاذ المستشار جنينة هي بذاتها منتهى الإساءة لشخصه وتاريخه وقيمته، بل وتعد قراراً من أقرب المقرّبين بالحكم عليه بإعدامه سياسياً ومعنوياً، فإن نظاماً بهذا الجنون، وهذه الشراهة لافتراس كل من ينطق بكلمةٍ تحمل رأياً لا يعجبه، لن يتأثر بمحاولاتٍ كهذه للاستعطاف والاستجداء، ذلك أنه في مهمةٍ ضد القيم الإنسانية والأخلاقية بالأساس، فكيف يمكن توقع التسامح منه؟

وإن حدث هذا فأي عارٍ يلحق بالمستشار الأسير والدائرة المحيطة به، عندما يكون ثمن خلاصه حياة وحرية صحافي شاب، حقق سبقاً مهنياً يستحق الإشادة والتقدير، وقبل ذلك كل التضامن والاحتشاد من أهل المهنة، دفاعاً عن القواعد والقيم المهنية، قبل أن يكون إنقاذاً لمستقبل محرّر شاب ونابغ ومتفوق؟

كل هذه المشاهد الدرامية المثيرة، من الضروري أن تحكّ الذاكرة الجمعية، فتمارس، بالبداهة وبالطبيعة، فعل الاستدعاء والإحالة والمقارنة، فتضع مواقف مشابهة، عبرت، أمام مثيلتها الحالية، فتقفز على الفور حالات مئاتٍ من السياسيين، يتجرّعون الظلم والإهانة والتنكيل، داخل زنازين الطغاة. ومع ذلك، لم يتنازلوا عما يعتقدون، ولم يحاولوا، أو يحاول أحدٌ نيابة عنهم، استجداء العفو بالتنكر للرأي والفكرة، أو اللجوء للعبة التقارير الطبية.. هنا تحضر أسماء الرئيس الشرعي الأسير الدكتور محمد مرسي، وابنه أسامة، وتحضر أيضاً ابتسامة محمد البلتاجي، ورنين هتاف عصام سلطان، في وجه الجلادين، وبسالة القاضي العجوز الصامد محمود الخضيري، من دون أن يكون في ذلك إهانة أو إساءة لسواهم من السجناء الأبرياء.

مدهش حقاً أن يسعى بعضهم إلى مصادرة حق الذاكرة، لكن الدهشة تختفي، حين تعلم أنهم سبق وأن سكتوا، بل وهللوا، لمصادرة الحق في الحرية والحق في الحياة.

الحرية للجميع، وليست لبريء على حساب بريء آخر.