أتذكر سنوات صباي عند بدايات ظهور الإنترنت كيف كانت الحياة في اختلافها عما نحن فيه اليوم بشكل جذري. كان القيام مثلًا ببحث صغير بغرض كتابة مقال تعبيري يتطلب توجيه الأسئلة لأناس كثيرين بغية الوصول لمعلومات تستحق الذكر، فصار الوصول لآلاف المقالات بمختلف اللغات حول نفس الموضوع لا يقتضي غير بضعة نقرات. أتذكر تلك الصفحات من مجلات الأطفال التي كانت تحمل إعلانات طلبات المراسلة والتي عوضتها طلبات الإضافات على مواقع التواصل التي خلقت فضاءات تحاور مباشر فاقت في شساعتها وتأثيرها كل التوقعات. أتذكر شرائط الأغاني في صيغتها القديمة التي اندثرت على يد الحواسيب ولا قبل لصغار اليوم بتخيل صدق وجودها في الماضي. حياة الإنسان تغيرت بشكل مهول في بضعة سنين صاغ شكلها التقدم التكنولوجي ببراعة مثيرة للإعجاب. إنها المعجزة التي طالت شكل الحياة، ولكنها للأسف لم تطل الإنسان، بل قد يكون اتجاه التطوريين مختلفًا إذا نظرنا لخلو المنتج التكنولوجي من أسس السعي لتطوير قدرات بعينها تطال كل مستهلكيه. ومع كل شيء يظل التطور هذا نتاج عقل بشري، وحامل تقدم هو في نهاية المطاف نعمة تعين في رحلة بحثنا عن عمق قدراتنا وجوهر وجودنا.

وإذا كان التقدم التكنولوجي واقعًا يمكن رؤية أثره بجلاء في مدد لا تتجاوز 30 سنة، فإن استشراف آثار المرحلة القادمة من هذا التقدم بات أمرًا ضروريًا تفاديًا لما قد يكون اتجاهًا نحو المجهول. العالم على مشارف ثورة جديدة بطلها ما يسمى بالذكاء الإصطناعي، والذي تقوم فكرته بكل بساطة على منح الحواسب في مختلف أشكالها القدرة على التعلم الذاتي دون تدخل البشر وبشكل يفوق دون شك قدرات البشر أنفسهم. ركيزتا الثورة الجديدة هما ثروة المعلومات المخزنة التي صارت تملكها البشرية بفضل الحواسيب وشبكات الإنترنت، والقدرات المذهلة التي بلغتها الحواسيب في سرعة تنفيذ البرامج ومعالجة المعلومات.

الحجم المعرفي للبشرية يتضاعف اليوم تلوى الآخر دون انتظار ركب المتأخرين. والذكاء الاصطناعي معزز بإنجاز، كنجاح تجارب الاستنساخ الحديثة، تحمل تساؤلين أولها أخلاقي حول رغبة الإنسان الحقيقية في بسط اليد على ما ظل طويلًا في حيز قدرات الخالق وحده، وثانيهما حول أهلية الإنسان نفسه بصيغة الأغلبية المرور نحو مرحلة الذكاء الاصطناعي. ولنا فقط أن نتخيل ما يمكن للبشر أن يبلغه في سوء استغلال قدراته العلمية والتفاوت القائم في حجمها بين الأمم في إشباع نزوات السلطة والتحكم في الغير. والمقلق فيما قد تحمله هذه الثورة التي تقف على الأبواب هو احتمالية فقدان السيطرة على المنتج التكنولوجي ذاته باعتبار قدراته التعلمية الذاتية التي لا قبل بتوقع ما يمكن أن تصله من مستويات دون إشراف عن قرب.

قد يعتقد البعض أن عهد الذكاء الاصطناعي لن يحمل غير الشق الاستهلاكي تمامًا كما هو الحال مع الهواتف الذكية والحواسب، ولكن الموضوع هنا مختلف، إذ إن خطورة الاستهلاك دون حيازة المعرفة سيجعل بالقطع أصحابه رهائن حقيقيون في يد القادرين على التحكم في فكر المنتجات، بل وربما رهائن في يد المنتج نفسه، ولنا في إدمان الغالبية للوسائل التكنولوجية مقدمة لما سيحمله عالم ذكاؤه الصناعي قادر على تعويض كل شيء. ولنا كعرب بالخصوص أن نستشرف هذا الإعصار الذي سيعصف بوظائف كثيرة ولن يكون في مستواه رحيمًا بكل من لازال في أولى درجات البناء، خصوصًا إن كان التقدم العلمي القائم على المعرفة آخر همومه. السنوات المقبلة ستحمل لنا دون شك تفسيرًا أعظم وأعمق للآية الكريمة الأولى: اقرأ!