لماذا نقرّر الفراق بعد باقات الورد والشموع، وبعد الرقصات الحالمة تحت ضوء القمر، والركض تحت الأمطار وفوق الأرض المنزلقة، وكل الحماقات الصغيرة التي مهّدت لحب قادم، ولكننا قرّرنا أن تكون ذكرى لا تتجدد؟

لماذا تأتي النهاية سريعاً، أو نحن من نأتي بها، ونسدل الستار على علاقةٍ كانت تبدو رائعة لنا وللجميع؟ لماذا لا نمنح الفرصة لحبٍّ أن ينتعش، وننزع أجهزة الإفاقة الصناعية عنه، ونكتب له وثيقة وفاةٍ تحت مسمى الموت الرحيم؟ ولماذا نعدّد أسباب الوفاة على أن الآخر لا يشبهنا، ولا توجد نقطة التقاء، وبأننا اكتشفنا أننا قضيبا قطار لا يمكن أن يتماسّا لا أن يلتقيا؟
لماذا نقرّر الفراق بعد باقات الورد والشموع، وبعد الرقصات الحالمة تحت ضوء القمر، والركض تحت الأمطار وفوق الأرض المنزلقة، وكل الحماقات الصغيرة التي مهّدت لحب قادم، ولكننا قرّرنا أن تكون ذكرى لا تتجدد؟ لماذا لا ننقذ الحب هذا السؤال المختصر لكل ما سبق من تساؤلات؟
يقول الكاتب الأميركي، ريتشارد بول إيفانز، عن تجربة زواجه التي أثمرت عن خمسة أطفال، والتي لم يتردّد عن الكتابة عنها عبر موقعه الإلكتروني، والتي لم يحرص على بقائها لامعة براقة في نظر المعجبين والقراء، بل قرّر أن يفصح عما حدث معه في تجربته الفريدة، لأنها تجربة تم إنقاذ الحب فيها. يقول إنه قد صرخ ذات يوم متسائلاً، وفي حمام الفندق، حيث كان كثير الأسفار، بسبب شهرته الواسعة وأعماله الخيرية خصوصاً: لماذا عليه أن يحتمل إنسانةً تختلف عنه كل الاختلاف، على الرغم من أنها طيبة، وهو رجل صالح؟
يقول إيفانز إن ابنته جينا صارحته أنها كانت في صغرها تتمنى ألا يقع الطلاق بين والديها، لتعلقها الشديد بأسرتها، لكنها، حين كبرت وأصبحت في الثانية عشرة، بدأت تتمنى أن يقع الطلاق، لكثرة الشجارات بينهما. وبالفعل، كانت الشجارات بينهما تصل دوماً إلى درجةٍ لا رجوع فيها، أو منها. وفي المرة الأخيرة، أغلقت زوجته الهاتف في وجهه، وقرّر أن يطلقها، لولا أنه اختلى بنفسه في الفندق، بعيداً عن البيت، وفكر ملياً بعلاقته بشريكته وبأطفاله الخمسة الذين يحبهم، واكتشف أنهم يستحقون المعاناة، لكي يحافظ على أمانهم واستقرارهم. وقبل ذلك، اكتشف أن زواجه من شريكته، كيري، يوشك أن ينتهي، لسبب مهم، وهو أنه يتوقع دائماً منها أن تتغير، لكي تصبح مثله، ويحدث التجانس لا الاختلاف.
وهكذا، وفي صبيحة يوم عودته إلى المنزل، وبعد أن واجه امرأة باردة الوجه، بادرها بالسؤال: ماذا عساني أن أقوم به، لكي يكون يومك أفضل؟ فرمقته بغضبٍ واستغراب، وسألته: ماذا بك؟ وربما اعتقدت أنه يتهكم عليها، لكنه أعاد السؤال ثانيةً فطلبت منه القيام بغسيل الأطباق، وقد فعل، وفي اليوم التالي، كرّر السؤال، فطلبت منه أن ينظف المرآب ففعل أيضاً من دون نقاش. ولكن حين كرّر السؤال في يومٍ ثالث، انفجرت في وجهه، وسألته لم يفعل ذلك؟ فأجابها بأنه يريد إرضاءها، فهي مهمة له مثل أهمية زواجهما.
يعترف ريتشارد بول إيفانز بأن زوجته بدأت تتغير للأفضل، وطلبت منه أن يسامحها، واعترفت له بأنها يجب أن تتغير أيضاً، وطلبت منه أن يمضيا وقتا أطول معاً، بعد أن تباعدت المسافة بينهما، وخمد الشجار المستمر، ومضت ثلاثون سنة من الزواج، وتحول الحب إلى عشق، لأن الخلافات بينهما تحولت إلى نقاط قوة، بسبب أنهما قد تعلما الاهتمام ببعضهما بعضا، ولأن الرغبة قد تولدت داخل كل واحد للاهتمام بالآخر، وبما يرضيه، وليس لتحويله إلى نسخةٍ منه، أو تطويعه لراحته بأنانيةٍ مفرطة عن طريق النظر للزواج والحب من جانب واحد.
الحب الذي أنقذه ريتشارد بول إيفانز كان يستحق. ولذلك أنقذه، بعد أن كان محفوفا بالمخاطر، وساعدته شريكة حياته بذلك. هذا الحب الذي اجتاز طريقاً وعرة محفوفة بالمخاطر سوف تحمله معك، وأنت في الستين من عمرك، لأنك جاهدت لكي تحتفظ به، حين كان صدر الحياة متسعاً، وحملته معك إلى وقتٍ يضيق فيه صدر الحياة. إنه بالقطع ليس حب المسلسلات التركية المدبلجة، والتي يبدأ فيها في السرير، وينتهي سريعاً في المحكمة.