استراتيجية مدروسة هدفها منع أي نقد للحكومة الإسرائيلية وإحداث شعور ذنب بتهديد وجود إسرائيل ووجود اليهود عموماً. بمثل هذه الطرق ومنذ حرب غزة، استطاع اللوبي الداعم للكيان الصهيوني في فرنسا أن يبتز الأحزاب اليسارية الفرنسية.

ليس جديدا استعمال “معاداة السامية” في الغرب للتشهير بالخصوم، وإقصائهم بشكل كامل من أي فضاء علمي وجامعي وإعلامي، فمنذ عقود يستعمل المدافعون عن الكيان الصهيوني وسياساته وحكوماته وإرهابييه هذا السلاح الفعال في الدول الأوروبية، لتشويه سمعة شخصياتٍ، وإلصاق هذه التهمة بهم لقتلهم معنوياً. الجديد اليوم هو هيمنة هذه الحملات الشرسة على كامل المشهد الإعلامي والسياسي في فرنسا، حيث تقوم هذه الحملات على الكذب والتلفيق المستمر ضد أسماء من النخب المستقلة، تديرها المنظمات المساندة للاحتلال الصهيوني، والتي لا تقتصر على شخصياتٍ يهودية، بل على شخصياتٍ من اليمين المتطرّف العنصري الإسلاموفوبي. وأهم هذه الحملات المسعورة هي الحملة ضد رئيس معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية، باسكال بونيفاس، الذي نشر أخيرا كتاب “باسكال بونيفاس معاد للسامية”، يروي فيه ما جرى ويجري له منذ عام 2000 من اتهام وتشهير وإقصاء له من ندوات وقنوات إعلامية واعتداء جسدي وإيذاء عائلته وأولاده، كان آخرها تحريض رئيس الوزراء السابق، إيمانويل فالس، وزارة الدفاع لوقف تعاونها مع المعهد الذي أنشأه بونيفاس في التسعينيات وطوره مع عدد من الشخصيات المتميزة، منها شخصيات يهودية معروفة في فرنسا بمواقفها الديغولية بخصوص فلسطين والشرق الأوسط عموما. لا يمكن لقارئ كتاب بونيفاس إلا أن يلمس مدى الإرهاب الفكري والملاحقة المستمرة بطرق خبيثة وملتوية لتسقيط الرجل المعروف بالتزامه الإنساني الكبير، ومواقفه العقلانية في حياته ومؤتمراته ومقالاته ومداخلاته ومشاركاته المجانية لتوعية طلاب المدارس الثانوية المختلطة في الضواحي الفقيرة وزيادة وعيها بالمشهد السياسي الفرنسي وتعقيدات أحداث الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.
بدأت الحرب على بونيفاس في عام 2001، حينما كان مندوبا في الحزب الاشتراكي عن 
“بدأت الحرب على بونيفاس في 2001 حينما كان مندوباً في الحزب الاشتراكي عن القضايا الدولية”

القضايا الدولية. وقتها حرّر ورقة تقدير موقف داخلية تتعلق بفلسطين، ينتقد فيها موقف الحزب غير المتوازن والداعم للسياسة الإسرائيلية، ويفند اعتقاد بعض أعضاء الحزب بشأن أهمية تصويت الجالية اليهودية في فرنسا لصالحه، فيكتب أن هذا حسابٌ غير صحيح، ويمكن للجالية العربية أن تفعل الأمر نفسه، لذا من الأفضل الارتكاز على قيم العدالة الإنسانية، وليس على ثقل الجاليات. هذا هو الموقف الذي جعل من بونيفاس هدفاً لحرب صهيونية تدوم منذ 2001 من دون ملل ولا كلل. حرب وملاحقة فاقت نظيرتها التي شنت على الضابط اليهودي دريفوس في نهاية القرن التاسع عشر، شراسة وعنصرية أدت إلى أزمات اجتماعية وسياسية، بينما اليوم وبعد مرور 17 عاماً على كتابة الورقة، ليس هناك من إيميل زولا، ولا غيره، ليقف ويقول ببراءة بونيفاس، ويتهم ثلة نخب يدفعها التعصب لإسرائيل، والخوف من خسارتها الحرب إعلاميا على ملاحقتها رجلا بريئا من هذه التهمة، قولا وفعلا، إذ ليس هناك، وعلى مدى عقود من عمله وإنتاجه الفكري ومداخلاته، ما يثبت هذه التهمة التي تلطخ سمعة صاحبها في الغرب، وتجعله شخصاً منبوذاً ومعزولاً. لم يستطع من يلاحقه على كثرتهم الإتيان بجملة واحدة أو تصريح له يؤيد موقفه المعادي لليهود. ولو كان ذلك صحيحاً، لاتجه هؤلاء فورا إلى المحاكم للقصاص منه، لكنهم فضلوا التشهير به بمناسبةٍ وبدونها، وتكرار تهمة معاداة السامية، ونشرها بشكل واسع من دون أي سند أو دليل. بل إنهم يربطون غالبا موقف الكاتب بعلاقته بقطر، حتى أنهم طلبوا مرات من إدارة الضرائب مراجعة حسابات المعهد، والاطلاع على تمويله، لعلهم يجدون خيطاً قطرياً ينجد حملاتهم. ولما فشلت مساعيهم هذه، حاولوا إقصاء بونيفاس عن إدارة المعهد، لكن أيضا من دون جدوى.
يفند الكاتب الخطاب المزدوج للوبي المساند لإسرائيل بأمثلةٍ دامغةٍ يبين فيها كيف يستعمل الحزب الاشتراكي وبعض شخصياته، كما بعض شخصيات اليمين، ثقلهم في إدانة حملة المقاطعة BDS استجابة لرغبة الحكومة الإسرائيلية، وبحجة الصوت اليهودي المؤثر بالفوز في الانتخابات (غير أكيد، عكس الصوت العربي المؤثر)، في حين تتم شيطنة أي مرشح وإبعاده من أي حزب يأخذ موقفاً مسانداً، ويدعو إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، متهمينه بالتحيز لمجموعة عرقية ترتبط بدولة أجنبية. ويقول في الوقت الذي يتهم هؤلاء المسلمين بجلب الصراع إلى فرنسا، تقوم جمعياتهم بالطلب من منتسبيها تأييد السياسات الإسرائيلية.
ويتعرّض بونيفاس إلى استراتيجية طرح فكرة “معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية” التي 

“الجالية العربية يمكن أن تتنظم ويكون لها ثقلها أيضا”

سوقها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عند ترشحه للرئاسة، إذ يكتب أنها استراتيجية مدروسة، هدفها منع أي نقد للحكومة الإسرائيلية، وإحداث شعور ذنب بتهديد وجود إسرائيل ووجود اليهود عموماً. بمثل هذه الطرق، ومنذ حرب غزة، استطاع اللوبي الداعم للكيان الصهيوني أن يبتز الأحزاب اليسارية الفرنسية، وكل مترشح يفكر بتجاوز خطوطهم الحمراء، حتى فرغت هذه الأحزاب من عناصر مبادئها في التزامها قضايا العالم العادلة، وأولها قضايا الشرق الأوسط وقضية فلسطين.
كتب بونيفاس، في كتابه، إن الجمعيات اليهودية وشخصياتها تطلب من يهود فرنسا التضامن مع إسرائيل، بينما ينكرون على الجالية العربية والمسلمة تضامنها مع الشعب الفلسطيني، ويتهمونهم بجلب الصراع إلى المجتمع الفرنسي. وعندما يريد العرب تنظيم صفوفهم، يشيطن هؤلاء كل مبادراتهم ويشوهونها ويتهمونهم باطلا، بل يصنعون بأنفسهم جمعيات ويضعون شخصياتٍ خاضعة لهم تدير شوؤن المسلمين، مثل المدعو شلغومي ومحمد صيفاوي، بحجة مكافحة معاداة السامية.
بحجة الحرب على معاداة السامية في فرنسا، تلاحق شخصية، مثل باسكال بونيفاس، ولا تتم ملاحقة من يفتعل الحوادث الكاذبة لاتهام الجالية العربية، من ينشر الأكاذيب ويسوقها في الإعلام، بهدف زيادة الإسلاموفوبيا والاحتقان في المجتمع الفرنسي، وتأليب مكوناته بعضها ضد بعض. يكفي أن ما يحدث من إرهاب فكري واسع منذ سنوات في فرنسا، أخذ يتجاوز الحدود حتى بالنسبة لشخصيات فرنسية يهودية، فقد كتب غيوم فيل رينال مقالا عن حملات مناصري السياسة الإسرائيلية في المشهد الإعلامي الفرنسي الذين تسابقوا، هم ورئيس الجمهورية وبعض الساسة والإعلام، لإدانه ما قيل إنه “اعتداء” على طفلٍ يلبس الطاقية اليهودية في الضواحي الفرنسية، ليظهر أن لا أساس للحادث أصلا، وأن عائلة الطفل قد رفضت المثول أمام مركز الشرطة، وأنه لا علاقة لهذا الحادث بمعاداة السامية، وليس هناك ما يبرّر الضجة الإعلامية الكبيرة التي لا تتناسب مع الحدث، وإن معاداة السامية تستعمل من أجل أهدافٍ أخرى بفن مستهلك من التشويه.
ويذهب الصحافي بعيدا ليقول: يقلق عاملون في الإعلام اليهودي من انخفاض عدد حوادث معاداة السامية، وقد قال رئيس الوزراء له على لسان رئيس مجلس المؤسسات اليهودية إن “معاداة السامية” هي الوسيلة الوحيدة لتوحيد الجالية اليهوديه المنقسمة والمختلفة. ويورد غيوم رينال أن سامي غزلان، من مكتب مكافحة معاداة السامية، قال في لقاء له مع إحدى القنوات بمناسبة حادث الضاحية الكاذب: إن الفلسطينية هي معاداة للسامية. ويختم الصحافي إن هذا الكلام ليس عابرا ولا مجانيا، إنه المرحلة المقبلة لتجريم كل من يدعم القضية الفلسطينية. هذا تحذير واضح من الصحافي لمن يريد أن يسمع من الفرنسيين من أصولٍ عربية مسلمة، ومثله يختم باسكال بونيفاس كتابه بالقول إن الجالية العربية يمكن أن تتنظم، ويكون لها ثقلها أيضا، وأنه لا يندم على ما كتبه، وسبب له كل هذه المشكلات منذ ستة عشر عاما، لأن هاجس التزامه الإنساني هو العدالة والتمسّك بحرية التعبير.