بالتأكيد الرأى الذى انتهت إليه دار الافتاء بشأن عيد الحب لن يرضى السلفيين. فقد أكدت أنه يجوز الاحتفال بعيد الحب شأنه شأن أى مناسبة اجتماعية يختارها الإنسان، أما التيار السلفى فهو لا يطلق مسمى «عيد» إلا على عيدى الفطر والأضحى، ولا يرى فى غيرها أعياد، وبالأخص عيد الحب الذى يرتبط فى ذهنهم ــ دون أن يكون ذلك صحيحا فى كل الأحوال ــ بأشكال من التحرر فى العلاقات بين الجنسين الممقوتة من وجهة نظرهم. وبالمناسبة هناك من الوعاظ المسيحيين التقليديين الذين سمعتهم أيضا يشككون فى هذه المناسبة انطلاقا من أن الحب ليس له عيد، ولكنه وصية إلهية، حب الله، حب الناس، وليس الحب الذى يقترن بالجوانب الحسية حسب رأيهم.

لن أخوض فى المسألة من وجهة نظر دينية، لكنى سوف أنظر إليها من ناحية «نفسية» بحتة فى مجتمع «مأزوم».

هناك مسحة من الكآبة تخيم على المجتمع المصرى ليس اليوم، ولكن منذ سنوات لها أسبابها. ظهور الكثير من المظاهر السلبية فى السنوات الأخيرة فى أعقاب 25 يناير 2011م، التى لم تكن الثورة سببا فيها، ولكن كانت نتيجة مباشرة لحدوث هزات اجتماعية وسياسية فى المجتمع، رافق ذلك اهتزاز فى سلم القيم، وأزمات اقتصادية، وتحولات سياسية متسارعة فى مجتمع اعتاد على الروتين والبطء فى التغيير، وظهور خطابات دينية متزمتة، وإرهاب مقيت بلغت مواجهة الدولة له حالة الحرب الشاملة بكل ما تعنيه حتى يعيش الإنسان آمنا، ويصبح للمجتمع مستقبل.

التحولات الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمعات يرافقها عادة تغير فى القيم، وتحولات فى السلوك الاجتماعى مما يكون له انعكاسات نفسية قاسية. يحتاج المجتمع «المأزوم» إلى لحظات يبتهج فيها، يتذكر معانى «الحب» بعيدا عن الشعور بكراهية الآخر الذى تبثه منابر الكراهية، أو الحزن الذى يلازم ضحايا الإرهاب، أو القلق الذى يرافق التحولات الاجتماعية، أو النزعة الاستهلاكية التى تتفشى فى أوساط اجتماعية معينة فى مواجهة مجموع شعبى يشعر بضغوط اقتصادية قاسية.

هل نبخل على الناس بمناسبة تذكرهم أن هناك قيمة اسمها «الحب»؟.

المجتمعات الراقية لديها مناسباتها الاجتماعية، التى تحولت إلى مناسبات استهلاكية، ورغم ذلك تشجع الناس على التقاط الانفاس، واختبار معان مختلفة تحملهم خارج شروط الحياة القاسية. ليست المسألة دينية، لكنها مسألة اجتماعية أن يتعلم الناس رقة المشاعر، وقدرتهم على التعبير عنها فى إطار اجتماعى لائق.

أظن أن المجتمعات كلُ لا ينفصل. إذا تقدمت الحياة فإن المرء سوف يخترع مناسبات تشعره بنوعية حياة أفضل، وإذا لم تتقدم سوف ينظر إلى هذه المناسبات نظرة سلبية، فى هذه الحالة يتجه إلى رفضها لأسباب دينية أو أخلاقية أو ما شابه، المهم أن يوجد حائط صد منيع أمام الاستمتاع بها.

المسألة باختصار أن يتقدم المجتمع، وسوف يحدث التغيير شئنا أم أبينا، أما أن يظل المجتمع هكذا فسوف نظل نطرح ذات الأسئلة كل لحظة، نسمع نفس الكلام المؤيد والمعارض.