نموذج الكون المتمدد

سعى الإنسان منذ أقدم العصور المعروفة إلى الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بوجوده من خلال معرفة وجود الكون حوله، هل هو محدود أم لا نهائي؟ قديم أم ذو عمر محدود؟ له أبعاد ثابتة أم متغيرة؟

هذا الكون الذي اتضح بشأنه – بفضل التقدم التكنولوجي في تقنيات الدراسة – الشيء الكثير منذ بدايات القرن العشرين وتزايدت المشاهدات المؤيدة لأنه كون في حالة توسع دائم، إلى أن أصبح اليوم الـBig Bang بمثابة الحقيقة الماثلة وصارت اليوم الأشرطة التلفزية وعلى الإنترنت والمجلات العلمية المسوقة تتخذه «مانشيتات» عريضة.

فماذا يعرف القارئ عن نموذج الكون المتمدد؟

البداية

قد يتفاجئ البعض أنه وإلى غاية سنة 1929 لم يكن لمصطلح «مجرة» وجود بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فهذا المصطلح يعود الفضل في توضيحه إلى أعمال العالم الأمريكي إدوين هابل، ولم يتوقف العالم العبقري عند هذ الحد بل قدم في نفس الوقت اكتشافًا آخر كان تأثيره أكبر جدًا على تطور المعرفة في القرن العشرين.

يمكن تلخيض النص الذي قدمه العالم الأمريكي إدوين هابل سنة 1929 بناء على مشاهداته كما يلي:

«إن كل مجرة تُشاهد من على سطح الأرض (أو من أي نقطة أخرى في الكون) إلا وتسير مبتعدة عن المشاهد بسرعة تتناسب مع ثابت عددي معطى».

 وقد قدم هابل قانونًا تجريبيًا سُمي بقانون هابل والذي صار فيما بعد ركيزة أساسية في بناء الكوسمولوجيا الحديثة في القرن العشرين فالتفسير الوحيد لكون جميع المجرات تتحرك بسرعات غير معدومة هو أن الكون في حالة حركة مستمرة ولا يمكن لأبعاده أن تكون ثابتة: ليس الكون مستقرًا، إنه في حالة توسع.

الاستنباط الموالي من مشاهدات هابل منطقي: إن هذا الشيء الذي يتمدد لا ريب بدأ صغيرًا وتتزايد أبعاده.

لو وزعنا حرارة قدر ثابت من الحرارة على مساحة متر مربع من الماء ثم ازدادت لسبب ما مساحة الماء مع الوقت، فإن الحتمي أنه كلما ازدادت مساحة سطح الماء ستقل درجة حرارة الماء.

بدا الكون صغيرًا، ساخنًا جدًا وهو في توسع مستمر. هذا ما صار يعرف بنموذج التوسع الكوني.

بيد أن النموذج الوليد واجه أسئلة ملحة من بينها هل هذا الكون المتحرك هو في حالة تمدد أم في حالة تقلص؟ وبالطبع تعتمد إجابة السؤال الأخير على إن كانت المجرات تتباعد عن بعضها البعض أم تتقارب.

يوافق الفرض الأول النموذج الانفجاري the big bang بينما يوافق الفرض الثاني النموذج الانسحاقي the big cranch.

الانحراف نحو الأحمر وسيلة للإجابة

لحسن الحظ (لو وجد في الدنيا حظ) منذ القرن التاسع عشر يعرف الفيزيائيون أن أي مصدر ضوئي في حالة حركة سيبدو لونه منحرفًا نحو الأحمر كلما ابتعد عن المشاهد ويميل نحو الأزرق كلما اقترب.

فيديو عن ظاهرة الانحراف نحو الأحمر

هذه الخاصية المعروفة بـred shift وblue shift تسمحان بمعرفة إن كانت المجرات حولنا تتقارب (تميل نحو الأزرق) أم تتباعد (تميل نحو الأحمر).

ملاحظات هابل أثبتت الـred shift ولا مجال للشك أن الكون في حالة تمدد (مع استثناءات قليلة لبعض المجرات تسجل انحرافًا نحو الأزرق).

قوة غامضة؟

سؤال آخر لم تتم الإجابة عنه – إلى اليوم -: ما هي القوى الدافعة وراء هذا التمدد؟ يفترض أن الجاذبية بين المجرات وتجمعات المجرات فيما بينها تؤدي إلى تقاربها، أما وهي تتباعد فما هي القوة المسببة لهذا التدافع؟

لاحقًا ومع أعمال ألبرت أينشتاين أطلق على اسم هذه القوة الغامضة اسم الطاقة المظلمة.

تعلم أكثر عن الطاقة المظلمة

أخطاء في الحساب

 التحدي الأكبر أمام النموذج كان في الحسابات الناجمة عن قانون هابل نفسه.

إن صيغة قانون إدوين هابل كانت من البساطة والعبقرية في آن بحيث إنه كان من الممكن استخدامها للتنبؤ بتاريخ نشأة الكون ولكن مع مفاجأة غير سارة لأنصار النظرية: لقد كان عمر الكون أصغر من عمر النظام الشمسي!

هذه النتيجة اللامعقولة اتضح لاحقًا أنها بسبب الخطأ في تحديد قيمة ثابت التناسب، لقد كانت القيمة التي قدرت للثابت سنة 1929:

H0=500 km. s-1/ Mpc

بينما في منتصف الخمسينيات ومع تحسن وسائل الرصد وصلت القيمة إلى:

H0=180 km. s-1/ Mpc

ومنذ الستينيات إلى نهاية التسعينيات:

H0=50-90 km. s-1/ Mpc

ومنذ نهاية التسعينيات إلى غاية 2018 ومع التحسن الكبير لتقنيات المشاهدة الفلكية التي تتحسن بشكل كافٍ بما في ذلك إرسال الأقمار الصناعية المخصصة لمسح الفضاء بأشعة X وغاما يطمئن المجتمع العلمي إلى القيمة:

H0=70 km. s-1/ Mpc

لقد أدى التحسن في القياسات إلى تقدير عمر الكون اليوم بحوالي 13 مليار سنة وهي قيمة مقبولة طبعًا.

نماذج أخرى

لقد أتى التأخر في تحسين قيمة ثابت التمدد الكوني، إضافة إلى الطبيعة الغامضة للطاقة المظلمة التي تنتج عن هذا التمدد، أدى إلى ازدياد معارضة المشككين فيه، وظهرت نماذج أخرى غير الانفجار الكبير ولعل أبرزها (وكان من المائلين إليها ألبرت أينشتاين على سبيل الذكر ) نظرية الكون الساكن The steady state universe وملخصها كما يبدو من اسمها: أن الكون كان دومًا بنفس الحال، لا يتمدد لا تتزايد أبعاده ولا تتقلص.

هذه الرؤية لها جذور تاريخية وعقائدية، كما في فلسفة اليونانيين القدامى مثلًا (أرسطوطاليس وغيره) الذين اعتبروا العالم أزليًا غير متغير.

ومن سخرية الأحداث أن التسمية الشهيرة لنموذج الكون المتوسع مصدرها أحد أبرز وأهم معارضي النظرية، السير فرد هولي Fred Hoyle والذي استخدم العبارة big bang على سبيل التهكم في حوار إذاعي سنة 1948.

لقد استمر الصراع بين الفريقين على أشده، أنصار النموذج الانفجاري وأنصار الكون الساكن، ورغم تقدم بطيء للأول على الأخير إلا أن الفيصل بينهما أتى على يد مُوَظفَين لا علاقة لهما بالجدل الدائر ولا بعلم الفلك.

خلفية الإشعاع الكوني CMB البرهان الفاصل

منتصف الستينيات كان يمكن تلخيص الصراع بين النموذجين كما يلي:

نموذج التمدد: الكون كان في الماضي صغيرًا وأسخن مما هو اليوم. نموذج الاستقرار: الكون كان دومًا بنفس الأبعاد بنفس درجة الحرارة.

في سنة 1965 بينما كان المهندسان Robert Willson وArno Penzias يركبان هوائيات لشركة مخابر بيل اكتشفا وجود تشويش دائم يوافق طولًا موجيًا قدره ثلاثة كالفن (يمكن قياس الطول الموجي بوحدة درجة الحرارة الكالفن أيضًا، ذلك أن كل إشعاع يحمل مقدار طاقة أي حرارة).

هذه الإشارة المتناغمة والقادمة من كل الاتجاهات والتي كان يحصل عليها المهندسان من كل اتجاه يوجهان إليه الهوائي بينت أن مصدر الإشارة ليس قمرًا صناعيًا أو محطة إذاعية ما ولا نجمًا معينًا، بل كل الكون.

بالطبع لم يكن لأنصار نظرية الكون المستقر أي تفسير لهذا الإشعاع الكوني، بينما كان لنموذج الانفجار الكبير تفسير متكامل: في الأزمنة الأولى لحدوث الانفجار الكبير كان الكون ساخنًا إلى درجة أن البروتونات لم تكن قادرة على تثبيت إلكترونات. مع برود الكون حوالي 370.000 سنة بعد الحدث الكبير (بيغ بانغ) انخفضت طاقة الإلكترونات وصار ممكنًا تثبيتها، بالتالي تكونت الذرات.

إن التقاط إلكترون من طرف النواة يترافق مع إصدار إشعاع، هذا الإشعاع القادم من كل أنحاء الكون يعود لتلك الحقبة التي تشكلت فيها الذرات لأول مرة. سمي هذا الإشعاع بالإشعاع الخلفي للكون Cosmic Microwave Background.

لقد شكل هذا الاكتشاف آخر انتصار أدى إلى اعتماد نموذج الانفجار الكبير من طرف علماء الفلك نموذجًا رسميًا لنشأة الكون واستمراره.