وضعت الثورات والانتفاضات العربية الحالة الثقافية ومثقفيها أمام قوى (الجمهور) الجديدة، والتي تجاوزت التصورات والأفكار التي كان يحملها المثقف العربي عنهم. وبناء على المنتج الثقافي فيما بعد الثورات العربية تبين حجم المفارقة بين الخيال والواقع، ولعل سوء التقدير القائم كان بسبب عدم القدرة على فهم الجمهور وآليات فعله التاريخي وأشكاله وتوجهاته، أو تعمد التجاهل لسبب ما.

وأستخدم مصطلح (الجمهور) كي أميزه عن مصطلح (العامة) الذي فيه ما فيه من نزعة استعلائية على الشعوب عامة، إذ أن هذا الوصف الشائع في العلوم الاجتماعية يستعمل في مقابل (النخبة) ومن هنا جاءت مصطلحات كـ(حكم العامة) وحكم النخبة و(الطغمة)، أما الجمهور فهو تلك التجمعات البشرية التي تشكل سلطتها الداخلية وأسلوبها في إدارة حيواتها، وللجمهور تموضعاته التاريخية التي تفرزه إلى أشكال متقدمة وسأصطلح عليها بتعبير (تشكيلات المجتمع المتقدم) وأخرى متخلفة مرتبطة بمجتمعها الأبوي وتجمعها الروابط الوشائجية وسأصطلح عليها بكلمة (الحشود).

الحشود

هي التشكيلات التي تعبر عن ظاهرة نفسية جماعية، تشكل كيانًا يعبر عن ظاهرة يمكن وضعها تحت المراقبة العلمية، وكما يعبر غوستاف لوبون «الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن»[1] وليس نفسيًا مؤقتًا وحسب، بل تشكيلات اجتماعية لها حظ من الديمومة كذلك، ولها آليات عمل وفعل في تكوين ذاتها وإدارة مصالحها، خصائصها الأساسية والمتعلقة بالشأن الذهني وهو ما يهم هنا، وهي:

الانتماءات ما قبل المدنية

بمعنى أن الحشود تشعر بالعقل الجمعي بالانتماء إلى التشكيلات الاجتماعية القديمة (طائفية، عرقية، قبلية) وتتحرك وفق هذا الوعي وتسكن على أساسه، وإن كان التحرك يضرب عميقًا في وجودها الإنساني. وهنا إضافة مهمة على تعريف لوبون السالف، بأن ذاك التراص المؤقت يعبر عن استعداد دائم لفعله كلما تطلب الأمر، وتحتشد دفاعًا عن قيمها القبلية، ولذاك أسباب عميقة من الاضطهاد الذي مارسته الأنظمة العربية على شعوبها، فانكفأت إلى سياجها التقليدي وقوى المجتمع الأبوي الذي – من عسف السلطة «وبشكل يتناسب طرديًا مع درجة القهر التي تمارس على الإنسان فيه».[2]

احتقار الثقافة

كذلك بدت الحشود العربية في ذروة نشوتها وممارستها لسلطتها، مناهضة للقيم الثقافية، وهو مجال تحرك المثقف بما يملكه من سلطة المعرفة، ولكأن الجموح العنفي للجماهير لا يكبحه شيء. فمنذ اللحظات الأولى التي شعر بها الجمهور أنه بمنأى عن المحاسبة في مدينة (معرة النعمان) في الشمال السوري، أول ما نال بعد رموز السلطة هو رأس أبي العلاء المعري، وأسقط النصب التذكاري لأبي تمام في الموصل، وجميعنا يذكر الصور المؤلمة للتحف الآشورية في الرقة وهي تداس وتحطم. ولتكلل بتدمير متحف نينوى بوحشية. بل وصل الأمر إلى حكومة مصر الإخوانية حين فاجأنا وزير الثقافة بتصريحه الشهير عن بغضه للمثقفين! وسواها الكثير من الأمثلة التي تضع السلطة الجديدة وتمثلاتها السياسية في الخانة المتوحشة.

قد يعترض أن الأحداث الإجرامية التي سردت كانت بيد تنظيمات متطرفة، فقد بينت التحقيقات أن في بعضها كانت اعتداءات جماهيرية، وفيما عدا ذلك منظمات راديكالية بمباركة أو صمت شعبي يشي بالموافقة.

التوحش

ولعل من أقرب النماذج القريبة كانت قد وقعت في يوغوسلافيا. ناهيك عن التشابه التاريخي للحالة السياسية في أوروبا الشرقية نهاية الحرب الباردة، وبين الثورات العربية. حيث بدت الجموع متوحشة آنذاك. فحسب رواية شاهد العيان (آدم) فـإن «بعض الصرب من قرية مجاورة جمعوا 35 من قريته وشقوا حناجرهم»[3] والأكثر إثارة للأسئلة أن الأطراف المتحاربة كانوا في منتهى التوافق قبل الحرب، ويروي التاريخ القريب مئات الحوادث من هذا القبيل، الأمر الذي جعلها ظاهرة دارت حولها الدراسات من مختلف العلوم الإنسانية. وقد أغفل المثقف العربي عينه عن تلك الظاهرة الصاعدة، بانتقائية غير آبه بأدواته العلمية، التي من المفترض أن تفعل في تكوين فهم واضح إزاء (الحشود) بما هي ظاهرة قابلة للدراسة، وتحديد آليات التعامل معها، بينما يقدم لنا التاريخ الحديث نماذج خطيرة عن سلوك الجماهير في الأزمات والحروب.

مناهضة القيم العقلية

السلوك العنفي الذي انتهجته الشعوب العربية ينبئ عن المستويات الخطيرة في رفض الانصياع للمحاججة العقلية، ولن يقبل لا المثقف ولا أدواته العقلانية. بل جل ما يحتاجه هو كاهن الطائفة وسيد العشيرة، المعبر الفعلي عن التطلعات العاطفية والتهييج الغرائزي. ويسمع صدى الأساطير الشعبية التي حيكت خلال السنوات السورية الست، لدى جميع أطراف الصراع، تفشت حكايات أسطورية لدى السوريين ذات منشأ رُعابي عن (إرهابيين) يحاولون تفجير الدبابات بسيوفهم، كما كثر الحديث في المدن الثائرة حكايات عن كائنات نورانية تقاتل إلى جانبهم. وهي الحشود ذاتها التي تكاثرت بوحشية على الشاب الباكستاني ماشال خان.

القيادة الرثة

لم يجد المثقف له مكانًا واضحًا وسط الجموع، فقد عوض عنه بخطباء المنابر الإعلامية من رواد الدعاية العنفية، بالإضافة إلى علامات فارقة جديدة يوسم بها المتحدثون باسم الجمهور فاستعيض بـ(الناشط) عن (المفكر) و(الباحث) فعدم جدوى المثقف في التحريض والتجييش تطلب روادًا جددًا لتتضح تضاريس أخرى لإعلام وثقافة صفراء. ففي ظل نظام رأسمالي ترويجي لا يعبأ بالمثقف (المثقف العمومي) ولا بالقيمة الرمزية للمعنى الثقافي، انحدرت الثقافة الجديدة إلى المنزلقات الدعائية.

الحركات المتطرفة

تلك الكتل النفسية التي عبرت عنها بمصطلح (الحشود) كانت على مر التاريخ القاعدة الشعبية والحاضنة الاجتماعية للحركات الراديكالية المتطرفة، بما فيها الحركة النازية الألمانية، ذات التاريخ العميق في الاحتشاد الشعبي بناء على معتقدات لا عقلانية، كاعتقاد الألمان إبان استشراء مرض الطاعون في العصر الوسيط أن وجود اليهود هو السبب، فما كان منهم إلا أن هاجموا التجمعات اليهودية وعاثوا فيها قتلًا وإجرامًا، بل وساهم المثقف الغربي حينها في تعزيز الدعاية الفاشية، وليس منا من لا يعرف تاجر البندقية لشكسبير وفيها ما فيها من تحريض واستعلاء على أبناء الديانات الأخرى، وهذا الدور التحريضي يتقنه الكتاب العرب اليوم الذين لا يملون ولا يكلون عن توصيف الديانات على أسس ميثولوجية، ما من شأنه تعزيز الحرب الطائفية ومنعها من الخمود. وعليه يمكن تصور الاستعداد الثوري للحشود النفسية، ويخبرنا التاريخ عن ثورات قادتها النزعة العنصرية الاستعلائية، كالثورة النازية في ألمانيا، وثورات أوروبا الشرقية التي أفضت إلى مذابح فظيعة، وكذا الثورة الأفغانية التي أفضت إلى تولي حركة طالبان زمام السلطة، بمؤازرة تنظيم القاعدة.

المجتمع المتقدم

وهي تكتلات اجتماعية تكون حاملة لفكر واضح المعالم وأسلوب حياة متسق مع المصالح العامة، تكون تلك التكتلات حاملًا جماهيريًا للأحزاب السياسية ذات البرامج المحددة، وحاضنًا لمنظمات المجتمع المدني التي تعبر عن الطموحات المستقبلية تجاه البلاد، بالإضافة إلى الركن الأهم في تشكيل الوعي الجماهيري وهي النقابات العمالية والمهنية التي تمس بشكل مباشر هموم الجمهور اليومية.

وهنا يبرز الفارق الكبير بين المشرق العربي المتشظي طائفيًا وعرقيًا وعشائريًا، وبين المجتمع المغاربي الذي قاد حراكه بواسطة الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابات العمالية والمهنية إضافة إلى أحزابها السياسية، كما كان للحراك المصري عمقه المدني والسياسي.

الحشود جماهير تقدمية في الأيديولوجية!

خيبت الثورات العربية ظن الأيديولوجيا، التي بشر بها المثقف العربي إبان القرن المنصرم، لترى الواقع كما هو وعلى حقيقته، فلم يكن مهدي عامل دقيقًا حين وصف المجتمع اللبناني بشكل خاص والعربي بشكل عام أنه كولونيالي الهوية[4]، فصحيح أن الطبقة المسيطرة هي طبقة كولونيالية، مرتبطة بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، إلا أن وصفها بـ(الكمبرادور) أي مجرد رعاة لمصالح السيد الخارجي سيكون أكثر دقة، لا سيما فيما بعد عقد السبعينيات، وأما ما يسميه مهدي عامل (الطبقة الكادحة) ليست ضمن هذا النسق على الإطلاق، فإن كانت الطبقة الحاكمة ومن لف لفيفها اختارت الارتباط بالمراكز الرأسمالية، شيوعية الأيديولوجية كانت أم ليبرالية، فإن الطبقات الشعبية اختارت لنفسها الانتماءات ما قبل الوطنية، ومن الطبيعي أن يذهب بنا هذا التنميط للجمهور في التحليل السيسيولوجي للمجتمعات العربية إلى حشر المجتمع العربي ضمن أيديولوجية مادية ديالكتيكية مفترضة، وإطلاق العنان للمخيال المؤدلج لجماهير ثورية بلشفية اللون. بينما لم تكن تلك الأيديولوجيا سوى أفكار اليسار العربي من مثقفيه ومنظريه حول المجتمع وحسب. وتكشف الواقع أثناء الثورات العربية التي أطلقت إصدارًا جماهيريًا من نوع مختلف أو نسخة غير متوقعة، كان يمثل هزة إبستمولوجية أيضًا للمثقف العربي، وعلى خلاف توقعاته الرومانسية كان الجمهور العربي منتميًا إلى تشكيلاته الوشائجية (الطائفية، العشائرية، الأقوامية) وبدا معبرًا عنها.

فيمكن أن نستنتج أن الشعوب في قوى فاعلة لها سلطتها الخاصة التي تستمدها من انتماءاتها فإن كانت تلك الانتماءات ضيقة وتعبر عن حالة نفسية جمعية فتلك هي الحشود، وإما أن تكون منتظمة ومنسجمة مع التطلعات الإنسانية ضمن أطر النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وهذه الجماهير، كما يمكن إجمال القوى المجتمعية ضمن إطار سلطوي واحد وهو سلطة الشعوب.

وعليه فالمجتمعات الخالية من الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ولا يتكاتف فقراؤها وعمالها في نقابات تعبر عنهم سياسيًا وثقافيًا، هي مجتمعات مشلولة، محكومة بالخواء ومصيرها الاضمحلال وبقدراتها الذاتية في إدارة العنف على ذاتها، ومن جهة أخرى فإن التكاتف حول المجتمع الأبوي (الديني، العشائري، العرقي) لهو مؤشر على بداية النهاية ما لم تستدرك القوى المجتمعية الحية باقي أبناء جلدتها، بالنقد اللاذع والعمل الدؤوب، فإن إعصار الحروب الأهلية سيأتي على الجميع دون استثناء فقد بينت السنوات الأخيرة أننا جميعًا في مركب واحد وهو آيل للغرق بأي لحظة.


[1] غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، هاشم صالح، ط1 (بيروت، دار الساقي، 1991) ص56.

[2] مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، ط9 (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2005) ص103.

[3] مارك بوكانان، الذرة الاجتماعية، أحمد علي بدوي (القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 2010) ص25.

[4] مهدي عامل، نقد الفكر الطائفي، ط3 (بيروت، دار الفارابي، 1989) ص10.