كانت له ميول أدبية، فانجذب نحو بوشكين والشعر، نشر أول عمل له وكان عبارة عن قصيدة روائية، لكن ما لبث أن خاب ظنّه؛ إذ استقبلها النقاد استقبالًا سلبيًا. وأما الجمهور فلم تلاق منهم إلا السخرية والتندر؛ ما اضطره إلى جمع وشراء نسخه من الأسواق، وكان قد قرّر مغادرة روسيا مبدئيًا، على الأقل لئلا يُصاب بأزمة نفسية بدأت بوادرها تلوح في الأفق بسبب إخفاقه في محاولته الأولى واستهزاء الناس به وبشعره، مكث أعوامًا في ألمانيا، ثم عاد إلى وطنه، وقد ازداد إيمانًا بموهبته الأدبية أكثر من ذي قبل، أعاد المحاولة في مجال القصة والرواية هذه المرّة غير هيّاب من الفشل، وكرّة بعد كرّة بدأت تتضح ملامح نبوغه، حتى صار واحدا من أكبر الكتاب الروس موهبة، وأحد دعائم نهضة روسيا الأدبية في القرن التاسع عشر.

من جُبّته الأدبية خرج العظيم دوستويفسكي الذي قال: (كلنا خرجنا من معطف غوغول) في إشارة إلى قصته الشهيرة والخالدة (المعطف) والتي تُرجمت لمعظم لغات الأرض.. وصارت تدرّس في كبريات المعاهد والجامعات العالمية.

إنه نيكولاي غوغول صاحب رواية (الأرواح الميتة) التي تعتبر من أحسن الروايات المكتوبة في تاريخ الأدب الروسي بشكل خاص، والأدب العالمي بشكل عام.

إذن صار من صُناع الأدب والتاريخ في العالم بعد أن كاد يصير فاشلا، لولا أنه آمن بنفسه، وعلم أن الفشل بوابة النجاح، وهو ليس أول من فعل ذلك، ولن يكون الأخير، فالكثير من العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ طُبعت بداية حياتهم وبواكير أعمالهم بطابع الفشل الذي لا يكاد يفارق عظيمًا، لكنهم لم يركنوا إليه ولا قعدوا عن تكرار المحاولة بعد المحاولة، حتى انقضّ جدار الفشل أمام قوة إرادتهم وإصرارهم، فذاقوا طعم النجاح الباهر مرتين، بعد أن غيّروا العالم بتغييرهم أنفسهم، فصاروا بذلك قدوات في الجدّ والاجتهاد يُحتذى بمثلهم أولي العزم والنُهى.

فهذا تيودور جيزل الذي كافح من أجل كتابة رواية تنال قبول دور النشر، لكن أعماله كانت تنعت كل مرة بالسخافة والهراء، قام بسبع وعشرين محاولة، ومع ذلك فقد رفض هذا الرجل الاستسلام، وذات محاولة أطلق فيها الدكتور سوس كما بات يُعرف بعدها خياله الذي لم يكبحه يومًا في أدب الطفل فحقّق نجاحا باهرًا، فلم يحدث أن لقب جيزل مجددًا بالفاشل، ولا أدبه بالتافه، وهو الآن أكثر مؤلف كتب الأطفال مبيعا في التاريخ.

وهذا والت ديزني الذي طُرد في بداية حياته العملية من إحدى الصحف لضيق مخيلته وعجزه عن ابتكار قصص جديدة.. فعاد بعد سنوات ليصير الشّخصِيّة المِحورِيّة لِتارِيخ سِينما الرُّسُوم المُتحرِّكة لِلأَطفال.

وهذه جوان رولينغ التي لم يتحمس الناشرون كثيرًا لسلسلتها (هاري بوتر)، فرفضت كل دور النشر طباعتها.. إلا ناشرا واحدا قبِل ذلك على مضض وبشروط.. فنجحت السلسلة نجاحًا كبيرًا ومُبهرًا، وحققت أرقامًا مذهلة لم تكن متوقعة.

فمن خلال قصص هؤلاء يمكننا أن نستخلص بعض الدروس عن الفشل والنجاح فأقول:

طريق النجاح غير معبد ولا مذلل.. فقد حُفّ النجاح بالعثرات فلا ناجح إلا وقد عانى مرارة الفشل والإخفاق.. وليس الفاشل من أخفق مرّة أو مرّات بل الفاشل من استسلم لإخفاقه فصرفه عن عزمه.. والناجح حقًا من لم يزده إخفاقه إلا إصرارًا على المُضي قدمًا بخطى واثقة وئيدة نحو النجاح.

يمكن للفشل أن يصير حافزًا قويًا للاستمرار في المحاولة ودافعًا نحو التحسن والتقدم، وكما قالت كلاريسا بنكولا: (هناك دائمًا المزيد من الفرص للتصحيح، لصياغة حياتنا بالطرق التي نستحق أن نعيش بها لا تبددي وقتك تلعنين الفشل إن الفشل معلم أعظم من النجاح أنصتي، تعلمي، انطلقي).

أيضا التجربة واكتساب الخبرة لا تأتي إلا من فشل سابق، وإلا ما استطعنا تطوير أنفسنا وتقويم ذواتنا، وكما يقول طاغور: (الفشل هو مجموعة التجارب التي تسبق النجاح)، لذا وبما أنه لكل عمل مهما علا كعبه نقصان من جانب ما.. فما عليك إلا أن تبحث عن هذا الجانب السلبي في عملك وتقوّيه وتبحث عن الجانب الإيجابي منه وتنميه وتستثمر فيه.

من خاف الفشل لم يفعل شيئا في حياته لأنه وكما يقول ليبرون جيمز: (لا يمكنك أن تخشى من الفشل، لأنه الطريق الوحيد الذي يوصلك إلى النجاح).

لا تستح من فشلك وتتوارى منه، بل اعتنقه وحوّله إلى نجاح، فـالفشل هو النجاح إذا كنا نتعلم منه (كما قال مالكوم فوربس).

إذا كنت مؤمنًا بموهبتك فعليك أن تؤمن بأن النجاح يأتي بعد الفشل وإن تكرّر.. بشرط الاجتهاد والمثابرة ومواصلة دكّ قلاع العقبات.. ولا تنسى أنّك (إذا استطعت القيام بعد فشل مدمّر وعدت إلى النجاح من جديد) فأنت ستكون بطلًا في يوم من الأيام). كما قال فيلما رودولف.