لم تكتف الولايات المتحدة بإعلان سياستها الجديدة بشأن سورية، وتنسيق جهدها السياسي والدبلوماسي مع شركائها في المجموعة الخماسية، بل تحرّكت لتأكيد جديتها وتعزيز فرص نجاح تصورها بتعزيز وجودها العسكري في سورية.

بين إعلان وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، يوم 29 /12 /2017، وبيان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، يوم 17 /1/ 2018، تطور ملحوظ في الموقف الأميركي من الملف السوري، فبينما اقتصر إعلان الأول عن الإبقاء على قوات أميركية على الأراضي السورية، حتى يتحقق الاستقرار والانتقال السياسي، انطوى بيان الثاني على خريطة طريق شاملة للحل في سورية، وبقاء قوات أميركية فيها إلى أمد غير محدّد.
أُعلن الموقف الأميركي في لحظة سياسية دقيقة وتوقيت مدروس، برز خطوة خارج السياق الميداني والسياسي، فقد كانت الوقائع توحي ببرود أميركي، إن لم نقل عدم اكتراثٍ كامل، إزاء الملف السوري، ما جعله يبدو نقلةً مفاجئةً، أشبه برمي القفاز في وجه روسيا التي لم تكتف بإعلان “النصر” في سورية، بل راحت تصيغ الحل النهائي فيها عبر التحضير لعقد مؤتمر في سوتشي، يجمع ممثلين عن مكونات الشعب السوري، القومية والدينية والمذهبية والقبلية
“ترغب واشنطن في “إشعال حريق” يتيح لها معاقبة تركيا على مواقفها في أكثر من ملف”

 والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى النظام والمعارضة، أسمته “مؤتمر الحوار الوطني السوري”، كي تمرّر عبره حلها الذي يشبه، إلى حد كبير، صيغة المصالحات التي رعتها بين فصائل معارضة والنظام في بلدات سورية، حل يُبقي على النظام كما هو، يُشرك المعارضة في حكومة “وحدة وطنية” بتسليمها وزاراتٍ خدمية، ويلزم فصائلها بالقتال إلى جانب النظام.
انطوى الموقف الأميركي الجديد على عناصر تناقض، وبشكلٍ شبه مطلق، التوجهات الروسية العامة وتصورها للحل، من تحديد طبيعة الصراع في سورية (نزاع بين الشعب والنظام) إلى صيغة الحل: حل على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 2254، انتخابات حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة، يشارك فيها جميع السوريين في الداخل والشتات، عودة اللاجئين، المساعدات الإنسانية، إنهاء المرحلة الانتقالية بتنحّي الأسد وأسرته عن الحكم، قال: “إن قيام سورية مستقرة وموحدة ومستقلة يتطلب، في نهاية المطاف، قيادة لما بعد الأسد، وإن رحيل الرئيس السوري في إطار عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة سيخلق الظروف لسلام دائم”، إخراج إيران من سورية، مرورا بطرح خطواتٍ مرحليةٍ تمهد الطريق لتنفيذ الحل مثل: عدم إقامة علاقات تجارية مع النظام، إعادة الإعمار في المناطق خارج سيطرة النظام، عدم المساهمة في إعادة الإعمار ما لم يتحقق انتقال سياسي حقيقي، تحريك ملف استخدام الأسلحة الكيماوية والمطالبة بمحاسبة من استخدمها، للضغط على روسيا والنظام (سيتم عقد اجتماع وزاري دولي في باريس 23 يناير/ كانون الثاني الجاري بشأن محاربة استخدام السلاح الكيماوي تحضره 30 دولة، لإطلاق شراكة دولية، تضع حداً للإفلات من العقاب الذي برز بخصوص سورية، واستخدام روسيا حق النقض لحماية النظام السوري)، تشكيل مجموعة دولية إقليمية مقابلةً للمجموعة الروسية – التركية – الإيرانية الثلاثية، حيث عُقد، بمبادرة أميركية، اجتماع خماسي يوم 12/1/2018 في واشنطن، ضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والعربية السعودية والأردن.
وكان لافتا تعريف تيلرسون الجديد لدور القوات المسلحة الأميركية في سورية: إنهاء “داعش”، ضمان عدم عودته، قطع الطريق على إيران، إنهاء حكم الأسد، حماية المصالح الأميركية، قال: “لن يبقى الجيش الأميركي في سورية بهدف تحقيق الهزيمة الكاملة لتنظيم داعش فحسب، بل أيضا لمواجهة نفوذ إيران، والمساعدة في دفع الرئيس السوري، بشار الأسد، خارج السلطة”. وقد برّر بقاء القوات الأميركية في سورية بوجود مصالح أميركية فيها، قال: “إنه أمر حاسم لمصلحتنا الوطنية أن نحافظ على وجود عسكري ودبلوماسي بسورية”، وإشادته بدور “قوات سورية الديمقراطية”، ذكرها باسمها الكامل (Syrian Democratic Forces)، وليس بالاسم المختصر(SDF) الذي يستخدمه المسؤولون الأميركيين عادة عند الحديث عنها، وما يعنيه ذلك سياسيا: المكانة التي تحظى بها هذه القوة لدى واشنطن، والدور السياسي الذي ستلعبه في مستقبل سورية.
لم تكتف الولايات المتحدة بإعلان سياستها الجديدة، وتنسيق جهدها السياسي والدبلوماسي مع شركائها في المجموعة الخماسية، بل تحرّكت لتأكيد جديتها وتعزيز فرص نجاح تصورها بتعزيز وجودها العسكري في سورية، عبر إقامة مطارات عسكرية قادرة على استقبال طائرات كبيرة وثقيلة (توسيع وتطوير مطار رميلان، قالت مصادر مطلعة إن القاعدة محاطة بحراسة مشددة، حيث ضُرب حولها طوقان أمنيان أول تقوم بحراسته “قوات حماية الشعب” الكردية، وثاني تحرسه قوات أميركية خاصة، ولا يسمح باجتيازه لغير الأميركيين، والمعدات التي تركب في المطار تنقل من إقليم كردستان العراق عبر معبر سيملكه، وعلى غير العادة، بشاحنات 

“تطور ملحوظ في الموقف الأميركي
من الملف السوري”

مغلقة كي لا يُعرف ما بداخلها، وتأسيس مطار جديد في محافظة دير الزور قرب حقل العمر النفطي شمال شرق مدينة الميادين)، والعمل على تشكيل “جيش شمال سورية”، المكون من مائة ألف جندي، بما في ذلك حرس حدود مكون من ثلاثين ألف جندي (أنهت الدفعة الأولى المكونة من خمسمائة مقاتل من القوة تدريبا عسكريا في صوامع صباح الخير جنوب مدينة الحسكة، وبدأت الدفعة الثانية تدريباتها) وذلك لحماية منطقة نفوذها في شمال شرق سورية: محافظة الحسكة ومعظم محافظتي الرقة ودير الزور، وفتحت باب التعاون مع الجيش السوري الحر، لتحقيق هدف مشترك: مواجهة النفوذ الإيراني والتنظيمات الإرهابية في سورية، وفق تصريح مصطفى السيجري، قائد لواء المعتصم، الذي ترأس وفد “الجيش السوري الحر” الذي زار واشنطن أخيرا.
وقد اعتبرت تعليقات محللين ودبلوماسيين ما قاله تيلرسون “انخراطا فعليا في العملية السياسية والتطورات الميدانية”، وسياسة أميركية جديدة، هدفها “تعزيز أوراق التفاوض مع روسيا”، من أجل تجنّب السلام الزائف الذي تعدّ له موسكو، وإن تنسيق واشنطن عمل المجموعة الخماسية يصب في خانة قيادة تصوّرٍ للحل في سورية”، وموازنة التحرك الروسي الإقليمي (المجموعة الثلاثية) بتحرك دولي إقليمي (المجموعة الخماسية).
يبقى الموقف الأميركي من الهجوم التركي على منطقة عفرين، الذي أعلن ناطق باسم القوات الأميركية في سورية، “أنها خارج نطاق عملياته”، والذي يتناقض مع المراهنة الواضحة على المقاتلين الكرد، بحاجة إلى قراءة مستقلة. هناك هدف وراء هذا الموقف: رغبة واشنطن في “إشعال حريق” يتيح لها معاقبة تركيا على قراراتها ومواقفها في أكثر من ملف، بما في ذلك الملف السوري، وإعادة موازنة تركيبة “قوات سورية الديمقراطية”، لجهة توسيع دور الطرف العربي فيها، وضبط قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تجاوز حدوده في بعض المواقف، عبر ترك قواته “وحدات حماية الشعب” تتجرّع كأس الهزيمة.