الكلام عن استحالة الحديث عن “حل الدولتين” في فلسطين يشكل هروبًا من تبني رؤيةٍ أصوب، فحواها، أن هذا الحل دخل مصطلحاً إلى الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد اتفاقيات أوسلو (1993)، وتبنّاه رئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو، في خطاب بار إيلان الأول (2009).

في جولة صباحية سريعة، وجدت أن بداية الحديث، فلسطينيًا وعربيًّا، عن موت ما يسمى “حل الدولتين” للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لم تكن متزامنةً مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس عاصمة لدولة الاحتلال يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 2017، ولا مع انتخاب الأخير رئيسًا للولايات المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وحتى ليس مع تكرّر انتخاب بنيامين نتنياهو وحزب الليكود الحاكم لتأليف الحكومة الإسرائيلية الحالية في انتخابات 2015، وإنما تعود إلى عدة سنوات خلت، بل يكاد يكون من شبه المُستحيل تحديد هذه البداية وسط كمّ يصعب حصره من التحليلات والمداخلات والمؤتمرات والأيام الدراسية التي تخلص إلى نتيجة الموت الواحدة والوحيدة.
ويتمثّل القاسم المُشترك لأغلب القائلين الفلسطينيين والعرب بالموت المتحقّق لهذا الحل باعتقاد ضمنيّ أنه كان حلًا قائمًا، وتلاشى بالتدريج، وأن تلاشيه راجعٌ بالأساس إلى أسبابٍ عديدة، منها أن “إسرائيل أجهضت هذا الحل منذ سنوات”، و”أن المعروض من إسرائيل، في نطاقه، ليس دولة فلسطينية ضمن خطوط 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، وإنما دويلة من دون القدس الشرقية وغور الأردن وحق العودة والسيادة الكاملة، وفيها سبعمئة ألف مستوطن”، و”أن إسرائيل التي تم التفاوض معها قبل ربع قرن أصبحت أكثر تشدّدًا ويمينية وعنصرية”!.
ويمتّد هذا القاسم العربيّ والفلسطينيّ المشترك، ليشمل معظم أوساط ما اصطلح على تسميته “اليسار الإسرائيلي”، حتى قبل حدوث بعض آخر التطورات المُشار إليها أعلاه. فمثلًا، في نهاية 2016 أشار الأديب الإسرائيلي البارز، أ. ب. يهوشع، إلى استحالة الحديث عن حل الدولتين في الواقع القائم اليوم، داعيًا “اليسار الإسرائيلي” إلى المطالبة بـ”بمنح الفلسطينيين في مناطق ج من أراضي الضفة الغربية المواطنة الإسرائيلية، سعيًا إلى تحسين مكانتهم وأوضاعهم في مقابل المستوطنين”. وأوضح أن “حل الدولتين” بات غير ممكن الآن جرّاء عاملين: الأول، المستوطنات الهائلة التي تضع تطبيق هذا الحل، في الوقت الحالي، أمام الحاجة إلى إخلاء نحو 400 ألف مستوطن يهودي، وهو برأيه “أمر غير معقول ولا يمكن تصوره”. الثاني، القدس، التي أصبح تقسيمها غير قابل للتنفيذ، حيال حالة الاختلاط بين العرب واليهود فيها، في مجالات ومناطق عديدة، وهو ما أصبح “واقعًا ناجزًا عصيًّا على التغيير”.
عاب بعضهم، في حينه، على يهوشع طرحه هذا الذي يتساوق، بكيفيةٍ ما، مع مشاريع ضم الأراضي المحتلة منذ 1967 التي يطرحها اليمين الإسرائيلي، في هيئة برامج سياسية ومبادرات تشريعية، كما أنه ينمّ عن تسليمه بانتصار المشروع الاستيطاني الذي يرفع راية “أرض إسرائيل الكاملة” على “المشروع الصهيوني الأصليّ” الذي يسعى إلى ترسيخ لواء “الدولة”.
في الوقت عينه، قال قلائل من هؤلاء، إن الكلام عن استحالة الحديث عن “حل الدولتين” يشكل هروبًا من تبني رؤيةٍ أصوب، فحواها، أن هذا الحل دخل مصطلحاً إلى الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد اتفاقيات أوسلو (1993)، وتبنّاه نتنياهو في خطاب بار إيلان الأول (2009) على الرغم من أنه أحد كبار المعارضين لتلك الاتفاقيات، لكن الوقائع الميدانية تثبت أنه لم يغادر حدود المُصطلح، وشيئًا فشيئًا تحوّل إلى غطاء رسمي للسياسة التي تتغيّا كبح تطبيقه، وبشكل رئيس من طريق محو “الخط الأخضر”، ونهب الأراضي المُعدّة لأن تكون ضمن الدولة الفلسطينية التي ستُقام. وبدلًا من استعادة الوعي، والقول إن الواقع القائم الآن يترتب عليه الحديث حول انتهاء عهد الكلام الكاذب عن ذلك الحلّ إلى ناحية التفكير بحلولٍ أخرى، يرفع يهوشع الراية البيضاء أمام اليمين  الإسرائيلي ومشاريعه المتعلقة بالضمّ.
قد يبدو العرض السالف بمثابة إضاءة على جدل إسرائيلي داخلي، ينطوي على تشخيص وإحالات تتعلق بأصحابه. لكن لا يمكن نفي كونه جدلًا متعلقًّا بنا أيضًا، فضلًا عن أنه يعيد بعض الأمور إلى سياقها الحقيقي، وفي مقدمها أن “حل الدولتين” وُلد مُشوهًّا، ليس فقط بسبب الرؤية الإسرائيلية التي وقفت وراءه، ونعتقد أن ساسة دولة الاحتلال لم يحيدوا عنها كثيرًا.