تصر تركيا على استمرار عمليتها العسكرية “غصن الزيتون” في شمال سورية حتى تحقيق أهدافها، ما يطرح أسئلة عن الأوراق التي تملكها أنقرة في الملف السوري اليوم، وعن موقف القوى الدولية والإقليمية من هذا التقدم التركي.

حسمت أنقرة، أخيرا، قرارها، بعد تنسيق دبلوماسي عال مع الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن السوري، وشنّت عمليتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) والوحدات المرتبطة به المسيطرة على عفرين في شمال سورية، وعدد من القرى والبلدات المحيطة بها تحت اسم “غصن الزيتون”. وعلى الرغم من أنّ العملية في بدايتها، وبالتالي لا يمكن الحكم عليها، أو التكهن بخواتيمها، فإنّ الخطة التركية، كما يبدو، تسير كما هو محدّد لها، من دون أيّة خسائر تذكر حتى تاريخه، وهذا لا يعني أنّ العملية سهلة من الناحيتين، العسكرية والميدانية، لعدّة أسباب، أهمها الطبيعة الجغرافية الجبلية التي تتمتع بها عفرين، والتي تختلف تماماً عن سابقتها في عملية درع الفرات، والخبرات العسكرية التي يتمتع بها عناصر وحدات حماية الشعب الكردية، خصوصاً على صعيد الحرب غير التقليدية المتمرسين عليها، والأسلحة النوعية التي زوّدتهم بها الولايات المتحدة الأميركية. وتدرك أنقرة هذا الأمر جيداً، خصوصاً في ضوء تقارير عن امتلاك هذه الوحدات أسلحة متطورة مضادة للطائرات والدروع، تم تهريبها إلى عفرين، قبيل انطلاق العملية بأيام قليلة، لذلك حشدت أنقرة نحو 25 ألف جندي من فصائل الجيش الحر، للمشاركة في العملية، إلى جانب القوات الخاصة التركية، ووضعت خطة محكمة، لتفادي أضرار هذه الأسلحة، معلنة أن العملية ستتم على أربع مراحل.
وتقول أنقرة إنّ هذه العملية لا تستهدف وحدة الأراضي السورية، مؤكدة رفضها القاطع تشكيل حزام إرهابي قرب حدودها الجنوبية، وعدم رضوخها لسياسة الأمر الواقع التي حاول حزب العمال الكردستاني، وبعض الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، فرضها من خلال السيطرة على الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، وإعلان الولايات المتحدة تأسيس جيش من 30 ألف جندي، قوامه قوات سورية الديمقراطية تحت اسم “جيش الشمال”، ويبدو أنّ هذا الإعلان الأميركي هو ما سرّع انطلاق عملية “غصن الزيتون”.
حتى الآن، تتماشى الردود الدولية والداخلية مع العملية التركية، على الرغم من 
“تمتلك أنقرة أوراق ضغط جعلت جميع الأطراف تقف إلى جانبها، حتى حلفاء حزب العمال الكردستاني الذين تخلوا عنه”

انتقادات المحدودة، والمطالبات بسرعة الانتهاء منها، وحصرها في نطاق جغرافي وزمني محدّدين، ما يدل على امتلاك أنقرة أوراق ضغط جعلت جميع الأطراف تقف إلى جانبها، حتى حلفاء حزب العمال الكردستاني الذين تخلّوا عنه، عندما دقت أنقرة ساعة الصفر، لبدء العملية، وتمثل ذلك بانسحاب قوات الشرطة العسكرية الروسية التي كانت متمركزةَ في بلداتٍ تسيطر عليها المليشيات التابعة للحزب، وإنزال الأعلام الروسية عن المناطق التي انسحبت منها، لإفساح المجال أمام تقدم القوات البرية التركية، وفتح الأجواء السورية أمام الطائرات التركية لشن هجماتها الجوية.
ويبدو أنّ الموقف الأميركي أيضاً جاء مخيباً للأكراد الذين توهموا أن من مدّهم بالسلاح لمقاتلة “داعش” سيوفر لهم حصانة ضد أي عملات عسكرية قد تستهدفهم، خصوصا من عدوهم اللدود تركيا، وهو ما عبّر عنه صراحة السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، في حديث له نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 19 يونيو/ حزيران الماضي، حين قال “إنّ ما تقوم به الولايات المتحدة مع الأكراد ليس فقط غباءً سياسياً، بل غير أخلاقي. استخدم الأميركيون الأكراد سنوات طويلة خلال حكم صدام حسين، هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في شكل مختلف عما عامل به وزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، الأكراد العراقيين عندما تخلّى عنهم؟ بصراحة، قال مسؤولون أميركيون لي ذلك، الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين”. وأكد فورد أنّ واشنطن ليست في وارد استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن إقليم كردي في شمال سورية.

المبرّرات العسكرية للتدخل المباشر
منذ بداية تأسيس الجمهورية التركية، عملت المؤسسة العسكرية تحت شعار “سلام في الداخل، سلام في الخارج”، الذي أطلقه مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، معتبراً ذلك مدخلاً ضرورياً لمرحلة التأسيس. وقد قدّم فيها سلام الداخل على سلام الخارج، معتبراً أنّ إنجازه في الداخل يؤمن بالضرورة بالسلام في الخارج. وبناءً على هذه المقولة، سعى أتاتورك إلى تصفير المشكلات مع دول الجوار والانفتاح على الغرب، وتحويل كلّ الطاقات والجهود إلى الداخل التركي، لتثبيت أركان الحكم وبناء الدولة. وبالفعل، منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 حتى وقت قريب، لم يشارك الجيش التركي في أيّ عملية خارج حدود البلاد، من دون إطار 

“مع انحسار تهديد “داعش”، شعرت أنقرة أنها الوحيدة التي لا تزال تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية”

الشرعية الدولية، عدا المشكلة القبرصية عام 1974، والتي جاءت بعد الانقلاب الذي قاده ضباط من القبارصة اليونانيين، كما لم يشن الجيش التركي أيّ عمل عدائي ضد جيرانه، أو التهديد باستخدام القوة، باستثناء توافقات أمنية جرت بين الحكومة التركية والنظام العراقي السابق في تسعينيات القرن الماضي، ومنحت الجيش التركي حرية التوغل داخل الأراضي العراقية لمسافة تصل أحياناً إلى 25 كلم، لملاحقة فلول حزب العمال الكردستاني، واتفاقية أضنة الأمنية لعام 1998 التي وقعت بين تركيا والنظام السوري لمكافحة الإرهاب الذي كان يستهدف الأمن القومي التركي حينذاك، والمتمثل بنشاط عناصر حزب العمال الكردستاني الذي كان ينشط بقوة على الأراضي السورية، وأفضت الاتفاقية إلى طرد زعيم الحزب ومؤسسه، عبد الله أوجلان، من سورية، واعتقاله لاحقاً في عملية استخباراتية في كينيا.
ومنذ بداية الثورة، حاول النظام السوري جرّ تركيا إلى التدخل العسكري والتوّرط في مواجهة مباشرة، وتمثل ذلك بإطلاق عدة صواريخ على الأراضي التركية، وإسقاط الطائرة التركية في منتصف عام 2012، لكن المسؤولين الأتراك كانوا يدركون خطورة هذا التدخل بشكل منفرد وغير مدروس، وبعيداً عن التنسيق مع الحلفاء الدوليين، أو على الأرض. لكن التهديدات الإرهابية ضد تركيا بلغت ذروتها نهاية العام 2015 وبداية العام 2016 بوقوع هجمات في قلب العاصمة السياسية للبلاد أنقرة، والعاصمة السياحية إسطنبول، وقد أثبتت التحقيقات أنّ تنظيم داعش الإرهابي وحزب العمال الكردستاني هما من يقفان وراء هذه العمليات، في حين أشارت أصابع الاتهام إلى تورط المخابرات السورية في بعض هذه العمليات، الأمر الذي وضع القيادة التركية في مواقف محرجة داخلياً، في ظل عدم إمكانية حماية مواطنيها من هذه الهجمات التي أثارت الرعب في صفوف المواطنين في مدن تركية عديدة، وجعل كفة التدخل العسكري تغلب على الخيارات الأخرى، وهو ما تمثل بعملية درع الفرات ضد “داعش” منتصف عام 2016، وكانت أنقرة عازمةً على توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، لولا الاعتراض الأميركي.
ومع انحسار تهديد “داعش”، شعرت أنقرة أنّها الوحيدة التي لا تزال تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من حزب العمال الكردستاني الذي استفاد من الدعم الغربي له خلال السنوات الماضية بذريعة محاربة “داعش”، على الرغم من اعتراض أنقرة مراراً على مشاركة الحزب في عمليات التحالف الدولي. وزاد الطين بلّة إعلان الولايات المتحدة الأميركية، أخيرا، عزمها تشكيل جيش لحماية الحدود، قوامه عناصر من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، وأنّه يشكل الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، ومحاولة أطراف دولية تكريس وجود إقليم كردي مجاور لها، من خلال فرض دستور يعترف بالفيدرالية والإدارة الذاتية، ما شكّل خطراً دائماً على سلامة أمنها، من وجهة نظرها، ويهدّد وحدة الأراضي السورية. وقد يفضي إلى تقسيمها لاحقاً، وبالتالي إنشاء كانتون كردي، قد تنتقل تداعياتها إلى عدة محافظات تركية تقطنها أغلبية كردية.

مبررات قانونية
تنص المادة الثانية (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه “يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر، لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”…، إلا أنّ هذه

“تشعر أنقرة أنّها الوحيدة التي تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من حزب العمال الكردستاني”

 المادة لا تنتقص من حق الدولة التي تتعرّض لاعتداء، انطلاقاً من أراضي دولة مجاورة، من الدفاع عن نفسها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا الحق تمنحه المادة 51 من الميثاق (تستند إليها الحكومة التركية)، وتنصّ على أنه “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي”. وطالما أن مجلس الأمن يعتبر شبه معطل بسبب التجاذبات السياسية داخله، فهذا الحق يبقى قائمًا للدولة التي يتعرّض أمنها لاعتداء حقيقي أو وشيك الوقوع (أي الجمهورية التركية) وكل ما يترتب عليها في هذا المقام هو إبلاغ مجلس الأمن بالتدابير التي اتخذتها استعمالًا لحق الدفاع عن النفس. إلى جانب ذلك، تستند تركيا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة الخاصة بمكافحة الإرهاب، لتبرير تدخلها العسكري.
سياسياً، تهدف العملية التركية، إلى جانب إحباط مخططات حزب الاتحاد الديمقراطي بإنشاء كانتون يمتد من عين ديوار شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وإنهاء خطر وحدات الحماية الكردية في عفرين، إيجاد نوع من التوازن الاستراتيجي على الأراضي السورية يقابل الوجود الروسي والأميركي والإيراني هناك، ويبدو أن هناك مصلحة تركية روسية إيرانية في مواجهة المخطط الأميركي الرامي إلى إقامة دولة كردية على طول الحدود التركية – السورية، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، عندما قال إن “واشنطن شجعت بنشاط، وما زالت تشجع، المزاج الانفصالي بين الأكراد، متجاهلة تماماً الطابع الحساس والأبعاد الإقليمية للمشكلة الكردية، وأنّ واشنطن تقوم بعمليات غير ظاهرة، لنقل أسلحة إلى تلك الفصائل التي تتعاون معها، أولاً وقبل كل شيء، إلى قوات سورية الديمقراطية، وإنشاء سلطات بديلة في جزء كبير من الأراضي السورية”.
أخيراً، يبدو أنّ تركيا ماضية في عمليتها العسكرية إلى النهاية، حتى إتمام أهدافها، كما في سابقتها “درع الفرات”. ويرتبط انتهاؤها بالمتغيرات العسكرية على الأرض، ويبدو أيضاً أن أنقرة لن تقف عند هذه العملية، بل ستنفذ عمليات أخرى في منبج، وحتى في شرق نهر الفرات، عندما تقتضي مصلحتها ذلك.
… إلى متى سيبقى أصدقاؤنا الأكراد يلدغون من الجحر الأميركي، ويعوّلون على الاستقواء بالخارج، فمن خذل مسعود البارزاني في الأمس القريب في شمال العراق، ومن قبله والده، لن يتوانى عن خذلان صالح مسلم في عفرين حالياً ومنبج مستقبلاً. يُؤمل أن تستوعب الطبقة الكردية المثقفة العبر من دروس الخذلان الأميركي، وأن تتخلّى عن أوهام الدعم الأميركي لهم بإقامة دولتهم، وأن تدرك أن أميركا تستخدمهم فقط لتحقيق مصالحها.