رغم كل التجارب الفاشلة للمنطق العصبي والجهوي في بناء دولة حديثة باليمن، إلا أن ذلك المنطق ما يزال يهيمن على المشهد اليمني، ويزاحم بقوة المشروع الوطني الجامع.

أرادها بيت حميد الدين مشطورة بينهم وبين عكفتهم، فخرجت من الجميع. وأرادها صالح خاصة بعائلته ومرافقيه، فخسرها وطاح رأسه. ويتبارى هادي ومحسن وفق المنطق العصبي، وكأن لم يكن لهما في صالح عبرة!

لقد فشلت القبيلة في التحول إلى دولة، رغم مرور قرن كامل على المحاولة، فشلت في الجنوب حين تدثرت القبيلة بعباءة الحزب، وفشلت في الشمال حين استعانت بالسلالة أولًا، وبالجمهورية ثانيًا، لتغطية الفشل الذريع في بناء دولة حديثة تعبر عن مجموعها لا عن مراكز النفوذ والغلبة.

واشتعلت الحروب وكان جذرها الأساس غياب دولة المواطنين، وطغيان دولة الرعايا. وكان المنتصر فيها يعيد القسمة: هذا لي وهذا للديكور الوطني.

والغريب أن الكثير من الأتباع الطيبين لم يدركوا بعد أن حروب الطوائف والجهات لا تصب في صالح أفراد الطائفة دائمًا؛ لأن الطائفة تُختزل في ممثليها، فهم وحدهم من يجني ثمار الانتصارات، ويوزعون الفتات على أعضاء الطائفة، وقديمًا قال مناضل لبناني قاتل في صف الطائفة: لقد اكتشفت أن دمي صار رصيدًا في حساب الزعيم.

هل استفاد الهاشميون من تسيّد بيت حميد الدين، أم كانوا أول الضحايا؟

يدركون قبل غيرهم، أن أكثر المجازر التي نالتهم قام بها هاشميون آخرون شعروا بخطورة منافستهم لهم، فلم يجابه الحسن بن الهادي أحد كابن أخيه المختار بن الناصر، حتى خربت صعده بفضل حروبهما الطاحنة، ولم يتجندل أحمد بن الحسين إلا على يد أحمد بن عبد الله بن حمزة سنة 656هـ، ولم يطوح برؤوس بيت الكبسي وبيت الوزير إلا بني عمومتهم من بيت حميد الدين.

ولذلك لم تنطل خدعة الحوثي إلا على المغفلين ، بينما احتكر الأحرار والدعاة منهم صفوف المقاومة الأُولى.

ويوم انحازت «حاشد» للثورة وجابهت الإمامة، ودفعت أثمانًا باهظة أسوة بأخواتها من قبائل اليمن، تسيد وكلاؤها في السلطة طيلة ثلث قرن، وكانت تقارير البنك الدولي تصرخ لمدة ثلاث سنوات أن محافظة عمران -معقل حاشد- هي الأفقر على مستوى الجمهورية!

مفارقة تؤكد لنا أن المنطق العصبي والجهوي يحوّل الطوائف والعصبيات إلى ذخيرة حرب، تستفيد منها القلة المتصدرة في المشهد.

وهل أتى على شباب الجنوب خبر طغمة الانفصال، التي ظلت تتاجر بالقضية، شركة مفتوحة لاستلام الدعم من صالح سرًا، ومن دول الإقليم جهرًا؟!

وفي الضفة الأخرى تثور أسئلة عديدة:

ما الذي يحدث داخل أروقة الشرعية، لماذا تتفشى ظاهرة التوريث، لماذا يتجرأ المسؤولون على تعيين أبنائهم وأقربائهم وذويهم؟

كيف سيواجهون ذلك الشاب الذي هجره الحوثيون من صعده فخسر مزارعه وأرضه، ورابط في خندق الجمهورية منذ الحروب الستة وحتى اليوم؟ ماذا سيقولون لصاحب أرحب الذي فجر الحوثيون بيته؛ فحمل بندقيته وما يزال يرابط في نهم تحت الشمس والمطر؟ كيف سيجرؤون على مخاطبة أرملة تعز، التي أبادت مدفعية الحوثي وصالح أسرتها؟

أيقولون لهم: لقد تحول نضالكم إلى أرصدة في جيوب العفافيش المتحولين؟ أم أن المناصب من نصيب الأبناء المتخمين بالفساد، الذين أدمنوا الرضاعة في عهد عفاش، وها هي الشرعية، تفتح لهم حاضنات جديدة ليواصلوا العمل؟

شعب تصنفه المنظمات الدولية كأكثر شعوب العالم فقرًا ومجاعة، تتسابق نخبته على شراء الفيلات في الخليج ومصر وتركيا!

ولا أسوأ منهم، إلا خطاب التبرير، الذي يريد لسهم المؤلفة جيوبهم أن يبتلع بقية الأسهم. خطاب يعيد هذرمة الطغاة الذين طوحوا بشعوبنا وهم يقمعون كل ناصح بذريعة: أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

لقد اكتشف أبو الأحرار الزبيري من أول وهلة، أن الجيش المساند للثورة استبدل بالعمامة المستبدة طاقية ضابط تمارس الدور نفسه، فقال في سينيته المشهورة، التي دفع رأسه ثمنًا لها:

يقلدون أفاعيل الإمام ولو .. رأواه يرفس من صرع به رفسوا

والحكم بالقهر رجعي نقاومه .. حتى وإن لبس الحكام ما لبسوا

والبدر في الجرف تحميه حماقتكم .. وأنتم مثلما كنتم له حرس

روح الإمـامة تـجري فـي مـشاعرهم .. وإن تــغـيـرت الأشــكــال والأُسُـــسُ

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أقل ما يتعلم الإنسان من تاريخه القريب.

لا يمكن لنا أن نواجه العصبية السلالية بعصبية بديلة، إذا شابهت خصمك فلن يبقى هنالك منتصر ومهزوم، فالكل سيكون مهزومًا في معيار الأخلاق، وقبله في مشروع دولة المواطنة، التي لم نرها بعد. لا يمكن لنا أن نهزم الإمامة الحوثية ونحن نحمل روحها، فالنجاسة ما تزال بالنجاسة، كما قال الشهيد زيد الموشكي.

ندرك أن التحديات أمام الخط الوطني كبيرة، تحديات داخلية، تتمثل بثقافة عصبية ما تزال تعشعش عند بعضهم، وعقائد ما تزال تتسول النصوص لتصنع حول ذواتها هالات هدمها النبي قبل هدم الأصنام.

وانفعالات مكبوتة، انحرفت بوصلة تعبيرها عن الصواب فوقعت في وحل العنصريات الإبليسية. وتحديات خارجية، تطرب لمثل هكذا تمزق، وترتاح لنظرائها من أصحاب المنطق العصبي، وتنفر من ثقافة الدولة والمواطنة والمساواة ، لأن أصحاب هذا المنطق لا يشبهونها بل هم على النقيض.

لكن لنتذكر؛ فالشباب لم يخرجوا في فبراير (شباط) لينزعوا الحكم من أسرة ويمنحوها لأخرى، وإنما خرجوا ليقولوا لمنطق العصبيات: كفى، لقد قتلت حُلم الجمهورية.