كان لي حوار مع أحد الأصدقاء عن مفهوم العزلة، أتشارك مع هذا الصديق غير المعتاد من النقاشات الفكرية، ألمس به جنونًا فكريًّا، يدفعني إلى التفكير معه والبحث بشغف، سألته؛ هل العزلة اختيار أم ضرورة؟ هل نستطيع العيش في عزلة مطولًا؟ هل العزلة هروب وجبن أم تحد وسلم؟ هل سبق وأن فكّرت في العزلة؟

هناك الكثير من المقالات والكتب التي طرحت وتطرح مفاهيم متعددة ومختلفة عن العزلة.

في العزلة كفاءةُ المُؤتَمَن على نفسه.

«في العزلة كفاءةُ المؤتَمَن على نفسه»، هكذا يراها الشاعر محمود درويش «أن تكون وحيدًا… أن تكون قادرًا على أن تكون وحيدًا هو تربية ذاتيَّة. العزلة هي انتقاء نوع الأَلم، والتدرّب على تصريف أفعال القلب بحريّة العصاميّ… أَو ما يشبه خلوَّك من خارجك وهبوطك الاضطراري في نفسك بلا مظلة نجاة» هي إذن ترويض للنفس. قد ير ى الغزالي العزلة طريق معرفة لا متناهية، «وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أُمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها…» وفي السياق نفسه يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «ومن أحب أن يفتح الله قلبه، ويرزقه العلم، فعليه بالخلوة وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذي ليس معهم إنصاف ولا أدب».

ولكن قد يجدها بعضهم، غير مبررة ومنافية للطبيعة البشرية، كالكاتب الياباني هاروكي موراكامي: «لا أحد يحب أن يكون وحيدًا»، والكاتب الألماني تشارلز بوكوفسكي: «عندما تكون وحيدًا فإن ذلك يولد شعورًا بعدم الرضا، يكون جيدًا في بعض الأحيان، ولكنه دائمًا يشعرك بعدم الراحة».

الميلاد والموت تجربتان للعزلة: نولد في عزلة، ونموت في عزلة.

والمعاني قد تكون أعمق وفلسفتها أكثر تعقيدًا كما يقدمها المفكر المكسيكي أوكتافيو باث في جدلية العزلة «فنحن محكومون بالعيش في عزلة، لكننا محكومون أيضًا بتجاوز عزلتنا واستعادة الصلات، التي كانت تربطنا بالحياة في ماض فردوسي. كل جهودنا تسعى إلى محو العزلة. هكذا يملك الإحساس بالعزلة دلالة مزدوجة: فمن جهة يدل على الوعي بالذات، ويدل من جهة أخرى على الرغبة في الخروج من الذات».

ولكن كيف نعرفها نحن؟ ما مفهوم العزلة عند شخص «عادي» يعيش في مجتمع ناموسه التكنولوجيا والحياة الافتراضية، شخص «عادي» تعب من جدليات السياسة، أثقلت كاهله أزمات الاقتصاد والمجتمع؟ هل نعيش في عزلة دون أن نشعر؟

يرى صديقي، وأنا أشاركه الرأي، أن العزلة إن كانت «اختيارية» عن وعي وفهم فهي حكمة ونضوج عقلي، وإن كانت قد فرضت نتيجة فشل في بناء علاقات اجتماعية وعدم وعي، بأن في العزلة حكمة، فهي مجرد ضعف وخيار غير موفق لمواصلة الحياة.

هل تعتقد أنك قادر على العزلة وهل ستنعزل يومًا؟ هل تظن العزلة جبنًا، هروبًا؟ لكل وجهة نظره بالتأكيد، ولكن جواب صديقي عن هذه الأسئلة «لا أعلم، الكثير من المواجهات في هذا الواقع، قد تخلق في نفسي، الرغبة في الابتعاد والرغبة في ضبط سلمي الداخلي المتذبذب، لكن لا أجرؤ، لا أقدر على تجاوز الكثير من الحتميات»، «أظن العزلة هروبًا نوعًا ما، لكن في بعض الأحيان قد تكون مبررًا للبحث عن السلم الداخلي والوقوف مع الذات، فنحن قد نفوت كل يوم فرصة التمتع بالحياة والوقت ماض».

كن كالثلج الذائب طهر نفسك من نفسك.

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذهب إلى غار حراء بحثًا عن السكينة وللتأمل، كانت عزلته حكمة وسكينة، وقد يطلق على العزلة في الثقافة الإسلامية عبارة «اعتكاف» (في شهر رمضان المعظم). أوكتافيو باث يقدم المعاني نفسها على طريقته: «إن العزلة، وهي شرط حياتنا، تبدو لنا كامتحان وتطهر، وفي نهايتها يختفي القلق والتيه. فالامتلاء والاجتماع، وهما راحة وسكينة وانسجام مع العالم، ينتظراننا في نهاية متاهة العزلة». ابن الرومي أيضًا يمثلها بأنها طريقة مثلى وعملية ذاتية للرقي بالذات وتطهيرها: «كن كالثلج الذائب طهر نفسك من نفسك».

وأنت كيف تراها؟ هل أنت محب للعزلة؟

الاختبار التالي قد يساعدك على سبر أغوار ذاتك لتعرف إن كنت محبًا للعزلة أم لا: من هنا.