منذ أيام قليلة أعلنت المفوضية العليا للانتخابات المصرية عن بدء إجراءات التقدم للانتخابات الرئاسية الثالثة بعد ثورة يناير المجيدة، وهي الانتخابات التي يحيط بها كثير من الريبة والغموض، خاصة في ظل الجدول الزمني الذي أعلنته لجنة الانتخابات الرئاسية والذي لا يعطي متسعًا من الوقف لأي من المرشحين لجمع العدد اللازم من توكيلات المواطنين المنصوص عليها في شروط التقدم للانتخابات، وكذلك غياب أي تمثيل نيابي لأي تيار آخر داخل البرلمان، غير هؤلاء المحسوبين على النظام، قد يكون عوضًا عن جمع التوكيلات من المواطنين مباشرة.

في التاسع و العشرين من نوفمبر من العام الماضي كان الفريق المتقاعد أحمد شفيق قد أعلن من منفاه الاختياري – حتى ذلك الوقت – في دولة الإمارت العربية، نيته للترشح في الانتخابات القادمة في مواجهة رأس النظام الحالي الجنرال السيسي، وهو ما فتح عليه أبواب جهنم من أبواق الآلة الإعلامية للدولة المصرية، الرسمي منها وغير الرسمي، وانقلب عليه أولئك الذين وقفوا يومًا في صفه في مواجهة الرئيس الأسبق محمد مرسي في انتخابات عام 2012، وصار ضيفًا غير مرحب به في دولة الإمارات العربية، الحليف الأول للسيسي في المنطقة، وتم ترحيله على متن طائرة خاصة إلى القاهرة، بعدها أشارت تقارير صحفية مختلفة عن تلقيه تهديدات عديدة من أطراف في الدولة المصرية من بينها قائد الجيش الأسبق المشير طنطاوي بضرورة الانسحاب من السباق الرئاسي حتى لا يتم فتح ملفات قضايا كان متهما فيها تتعلق بفترة عمله كوزير للطيران المدني، ورئيسٍ للوزراء إبان فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

كان من الواضح أن النظام المصري ورئيسه عبد الفتاح السيسي يخشى من دخول شفيق إلى الصراع الانتخابي خاصة وأنه بات يكسب أرضًا لدى قطاعات مختلفة من مناصري الجنرال السيسي، بدأت ترى فيه بديلًا له بعد فشله المتكرر في حل الأزمات الاقتصادية المتكررة، وهم بالإساس من قدامى رجال دولة مبارك، وكذلك قطاعات شعبية ترزح حاليًا تحت ظروف معيشية صعبة بسبب تلك الإجراءات الاقتصادية التي طبقها النظام الحالي كرفع الدعم وفرض ضرائب جديدة على مختلف السلع الضرورية، وغيرها، وهي فئات داعية للاستقرار بشكل يبعدها عن أي مجازفه سياسية لأي تيار آخر غير ذلك المحسوب على الدولة القديمة وفي القلب منها المؤسسة العسكرية الضامن الرئيس للإستقرار من وجهة نظرهم، بخاصة أنهم يرونه الإداري الناجح القادر على العودة بالدولة إلى حدود ما قبل الخامس والعشرين من يناير 2011، حيث حالة السُبات السياسي والاقتصادي الطويل وما يتبعها من استقرار حياتي لا يتأثر بأية متغيرات خارجية. غير أن الفريق شفيق قد أدار ظهره لكل هذه المعطيات وانحنى لعاصفة النظام وانتهي الأمر بإعلان تراجعه فعليًا عن نيته للترشح في السابع من يناير الجاري، بعد أن كان قد اكتسب حق العودة إلى مصر وكف النظام عن تهديداته المتكررة بإعادة فتح قضاياه القديمة!

على ناحية أخرى كان العقيد أحمد قنصوة، الضابط المهندس بالجيش المصري، قد أعلن في فيديو بثّه على صفحته على موقع التواصل الإجتماعي، فيسبوك، نيته للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، تحدث العقيد قنصوة إلى المصريين بلغة عربية سليمة فصيحة واعقبها بترجمة إنجليزية سليمة، وأفكار مرتبة، نجح الرجل في حديثه الأول من الوصول إلى وجدان كثير من المصريين وأثار حالة من الجدل حوله بين من يراه حالمًا لا يدرك أبعاد الواقع السياسي المصري حوله، ومن يراه مرشحًا نموذجيًا لكثيرين، فهو ضابط مهندس، صاحب شهادات عليا – حاصل على درجة الدكتوراة في هندسة المعمار – على عكس الشائع دومًا عن خريجي الكليات العسكرية في الأوساط الثورية أنهم ذوو الـ50 % – وكذلك فهو شخصية عسكرية، وصاحب أفكار واضحة مرتبة، ولغة سليمة، مؤمن تمام الإيمان بثورة يناير وبضرورة تحقيق أهدافها، ولا يعادي الثلاثين من يونيو على أية حال، كان يمثل حالة كتلك التي كان عليها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في انتخابات 2012، كمرشح تتوافر فيه متطلبات كل تيار لدعمه من أقصى تيارات الثورة المؤمنة بثورة يناير المجيدة إلى أقصى الفلول الباحثين عن أي شخص ذي خلفية عسكرية، مهما كانت الظروف. لم تستمر مغامرة العقيدة قنصوة كثيرًا، إذ أُحِيل بعدها إلى المحكمة العسكرية وحكم عليه بالسجن 6 سنوات مع النفاذ، بتهمة السلوك المضر بالنظام العام للقوات المسلحة، وباءت جميع المحاولات بالفشل لتخفيف الحكم عنه.

لم تنهِ صراعات العسكريين على المنصب الكبير عند هذا الحد، فمنذ أيام قليلة، وفي بيان مصور أُذِيع بعد منتصف الليل، أعلن الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش الأسبق ترشحه لمنصب رئيس الجمهورية، وهو البيان الذي بدا فيه حرفية كاتبه والناطق الرسمي باسمه، الدكتور حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذي خاطب فيه فئات مجتمعية مختلفة تطمح إلى الخروج من ذلك الشَرَك الذي أوقعنا فيه نظام الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، من تحديات إقليمية كمشكلة المياة وترسيم الحدود البحرية مع الدول المجاورة، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني ومؤسساته جنبًا إلى جنب مع دور القوات المسلحة في بناء الوطن ثانية، بما لا ينتقص من مكانتها كمؤسسة رئيسة في كيان الدولة المصرية، وكذلك ما ذكره من ضرورة وقوف مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية على مسافة واحدة من جميع المرشحين دون انحياز إلى من الرئيس الحالي، فهو لا يعدو كونه مرشحًا محتملًا من بين مرشحين محتملين آخرين.

كانت رسالة الفريق عنان واضحة وصريحة أنه قرر أخذ الأمور بجدية هذه المرة على عكس ما جرى في انتخابات عام 2014 عندما أعلن ترشحه ثم عاد وانسحب ثانية، وهو ما سيجعل النظام الحالي في ورطة حقيقة للتعامل مع الفريق عنان، ولن يكون من السهل إزاحته من المعركة كسابقيه إلا من خلال إجراءات إدارية تعسفية تحول دون تمكنه من استيفاء إجراءات ترشحه، إذ لن يستطيع النظام الحالي مساومته على خوض التجربة بتهديدات كتلك التي ساوم بها الفريق شفيق، فهو القادم مباشرة من رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش المصري، ولم يتولَ أية مناصب مدنية بعد خروجه من الخدمة في صيف عام 2012 سوى وظيفته كمستشار للرئيس الأسبق محمد مرسي وهو منصب شرفي لم يباشر من خلاله أية مهام فعلية، وبالتالي فمحاولة مساومته على فتح قضايا فساد أو غيرها، ستتعلق بفترة عمله كرئيس لأركان الجيش، وهو ما لن تسمح به قيادات الجيش للخوض في مسائل تتعلق بفترة خدمته بالقوات المسلحة، على عكس الفريق شفيق الذي تم تهديده بقضايا فساد تتعلق بعمله المدني، والتي لم يجد النظام غضاضة في مساومته بها، ولا يتبقى للنظام سوى بعض أقلام صحفية وكتابه، والذين ما أن أعلن الفريق عنان ترشحه حتى انبرت تهاجمه وتشكك في قدرته على تحمل المسؤولية وهو البعيد عن قيادة الجيش والعمل السياسي منذ إحالته للتقاعد على يد الرئيس المعزول محمد مرسي في صيف عام 2012، وأنه كان جزءًا من المجلس العسكري الذي وصل في عهده الإخوان إلى قمة هرم السلطة في مصر، بالرغم من كون السيسي نفسه كان رئيسًا للمخابرات الحربية في هذا المجلس، وأنه كان وزيرًا للدفاع في وزارة الرئيس المعزول محمد مرسي!

ربما لا يستطيع منافس قادم من الأوساط المدنية في هذه المرحلة على مقارعة السيسي في الانتخابات القادمة نظرًا للتضييق الشديد الذي يمارسه النظام المصري القائم على أي نشاط سياسي يؤدي إلى طرح بديل مدني قادر على التجاوب مع قضايا المجتمع السياسية والاجتماعية وكذلك ابتعاد رموز الصف الأول من هذا التيار عن العمل السياسي أمثال حمدين صباحي والبرادعي وأبو الفتوح وغيرهم – بعد انسداد الأفق السياسي المصري في مرحلة ما بعد الثالث من يوليو – خاصة وأنه قد اتضح لكثيرين خطأ رهاناتهم، وأن العسكر قد استخدموهم كستارٍ لإحكام السيطرة على المجال العام المصري بعد الإطاحة بحكم الإخوان، ولم يتبق للتيار المدني سوى المحامي الحقوقي خالد على صاحب الحكم التاريخي بمصرية تيران وصنافير من المحكمة العليا المصرية، والذي أعلن نيته صراحة في خوض سباق الانتخابات القادمة وطالب النظام المصري عبر حديث سابق له مع شبكة (سي إن إن) الإخبارية الامريكية بضمانات ست لخوض الانتخابات لا ينتظر من النظام المصري توفيرها على أية حال.

كذلك فما زالت تنظر له قضية أمام القضاء المصري المعروفة باسم (قضية الأصابع) عقب الحكم بمصرية تيران وصنافير، وتم تأجيل النطق بالحكم فيها إلى مارس المقبل، وهو ما قد يعرضه للاستبعاد من السباق الانتخابي في أي وقت إذا ما صدر حكم فيها بإدانته، إضافة إلى ذلك، فإنه مازال يفتقد للقاعدة الشعبية التي تؤهله لخوص الانتخابات بطريقة تؤثر في نتائج صراع السلطة بين العسكر والمدنيين في الوقت الحالي، وحتى لا يكون تكرارًا لتجربة حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية السابقة، والتي تورّطت خلالها النخبة المدنية وجماعات ثورية مثل حركات السادس من أبريل، والاشتراكيين الثوريين، وغيرها، في دعم صباحي في انتخابات كانت تعلم من بدايتها أنها مسرحية هزلية لإعطاء شرعية مجانية للجنرال السيسي وقتها ليبدو للعالم أنه فاز خلال انتخابات تعددية ديموقراطية شارك فيها التيار المدني وحركاته الثورية حتى وإن غاب عنها التيار الإسلامي، إلا من حزب النور السلفي وقتها.

إن الصراع الذي تقوده أجهزة الدولة المصرية في تثبيط ومهاجمة كل من يفكر في خوض الانتخابات الرئاسية القادمة قد انتقل بها إلى مرحلة من مراحل الهذيان والهزل في موضع الجد على منصب رأس الدولة، لتبدو معها كل محاولة لأخذ الأمور بجدية هو محاولة تفتقد لأدنى درجات المنطق، وبات من الواضح أن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يسعى بأية حال إلى البحث عن شرعية دولية من خلال إجراء انتخابات جدّية نزيهة يتنافس فيها مرشحين أقوياء بقدر ما يخشى من منافس قوي ينزع عنه كرسي الحكم إلى مصير لا يعلمه، فصفقات السلاح مع الغرب، وكذلك ما قدمه من تنازلات إقليمية في ملفات كسد النهضة مع الجانب الإثيوبي، أو التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للجانب السعودي ضمن إجراءات ما عرف لاحقًا بصفقة القرن، وغيرها، كانت كفيلة بانتزاع اعتراف دولي بشرعية وصوله إلى سدة الحكم في مصر عقب الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في صيف عام 2013، بالرغم مما أثير وقتها من جدالات حول طبيعة ما حدث في الثالث من يوليو كونه انقلابًا عسكريًا أم استجابة من قائد الجيش لمطالب الجماهير بإزاحة حكم الإخوان آنذاك!