قالها قديمًا المفكر الفرنسي جان بول سارتر ومازلنا نرددها حتى يومنا هذا! علقت بأذهاننا ولمست وتر حساس في قلوبنا. (الجحيم هو الآخرون) هل بالفعل الأخرون هم سبب شقائنا؟ هل علاقاتنا المحيطة تحدد جودة حياتنا؟ ويا ترى ما رأي علم النفس الحديث بكل هذا؟

بالفعل يتفق إلى حد كبير علم النفس مع مقولة سارتر و يحذر تحذير شديد من خطورة العلاقات السامة على الصحة النفسية، حيث تكون سببا رئيسا لتعرض الشخص للاكتئاب والقلق والضغط النفسي المزمن، فيعاني من الحزن والتعاسة والتوتر الدائم ويمضي في حياته بنصف قلب ونصف عقل ونصف روح!

ولا يتوقف تأثير العلاقات السيئة على الصحة النفسية فقط، بل يصل إلي الأمراض الجسدية أيضًا، فالدراسات الحديثة أثبتت أن تأثير العلاقات السيئة على صحة الإنسان يماثل تأثير المأكولات الضارة المليئة بالسموم على الجسم، فيصبح أكثر خمولًا، يعاني من تعب دائم ونقص في الطاقة، وبالتالي في الإنتاجية، كما يصبح أكثر عرضة لأمراض القلب على عكس هؤلاء الذين يتمتعون بعلاقات صحية في حياتهم.

فكما يمكن أن يصبح الآخرون جحيمًا، علينا أن ندرك انهم أيضا يمكن أن يكونوا جنة، وعلاقة واحدة صحية كما ينبغي، كفيلة بإسعاد الشخص واستعادته لتوازنه النفسي، وجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، وبالتالي زيادة إنتاجيته وتحقيق أحلامه. إذن فالفهدف ليس اعتزال الآخر، ولكن في تنمية مهارة التمييز بين العلاقات السامة والعلاقات الصحية.

العلاقة السامة هي أي علاقة ضارة لك أو لغيرك وسبب سميتها هو عدم قدرة الطرفين على التواصل بشكل صحي والحفاظ على الحدود بينهم واضحة. وللأسف الأشخاص السامة نادرا ما يدركون مدى ضررهم للآخر ولا يشعرون بأي خطأ في تصرفاتهم بسبب شدة انغماسهم في رغباتهم ومشاعرهم وأهدافهم الشخصية. كما أنه ليس بالضرورة أن تنشأ العلاقات السامة بين أشخاص لديهم أي شكل من الاضطرابات النفسية، فالعلاقات غير الصحية يمكن أن تنشأ بين فردين متزنين، ولكن لديهم قدرة خاطئة على التواصل وتكوين العلاقات.

إذا كيف تعرف إذا كنت طرفا في إحدى العلاقات السامة؟ أنت في علاقة سامة إذا كنت تشعر بأي شعور سلبي في وجود هذا الشخص، سواء كان خوفا، حزنا، توترا أو إحساسا بعدم الأمان. أنت في علاقة سامة إذا كان التعامل مع هذا الشخص يصيبك بالضغط والإيذاء النفسي أو العاطفي. أنت في علاقة سامة إذا كان الطرف الآخر متلاعبا ومخادعا وغير صريح أو غير واضح. أنت في علاقة سامة إذا كنت دوما تتعرض للنقد أو اللوم أو التقليل من قيمتك و من مشاعرك ووصفها بالدراما عندما تعبر عنها أو وصفك بالحساسية الزائدة.

ببساطة العلاقات الصحية تتركك ملئ بالطاقة و الإيجابية، أما العلاقات السامة فتتركك منهك، فارغ، مكتئب و مشتت! أنصحك بقراءة كتاب (علاقات خطرة) للدكتور محمد طه الذي يعرض به وبشكل أوضح وأشمل جميع العلاقات المؤذية وأنواعها وكيفية التعامل معها.

وفي النهاية أحب أن أوضح أن الشخص السام هو ليس بالضرورة شخص سيئ وقاس، بل ربما يكون شخصا يحبك كثيرًا ويحمل لك أطيب النوايا، ولكن طريقة تفكيره وتصرفه تجعلك تتنازل عن أجزاء منك، واحدًا تلو الآخر؛ حتى تجد نفسك شخصا آخر، فلا تصبح أنت في وجوده، شخصيتك تبهت حوله وتتضاءل. فلتعلم أن هؤلاء الأشخاص غير مناسبين لك! وبالرغم من صعوبة الموقف، عليك تركهم يرحلون. فالحياة صعبة كما هي، ولا يمكن تعقيدها بعلاقات مشوهة، حتى وإن تطلب الأمر أن نبتعد عن شخص نحبه، نترك صديقا عزيزا خلفنا، نود قريبا لنا عن بعد، أو أن نتجنب أي موقف يمكن أن يسبب لنا ألما أو ضررا نفسيا.

من حقنا أن نحب أنفسنا ونحميها.. بدون مبررات.. بدون أعذار!