يشهد العصر الحالي تطوّرًا كبيرًا على صعيد الانتشار المعلوماتي، إذّ إنّ المعلومة – بغثّها وسمينها – أصبح من السهل الدعاية والترويج لها، ومن ثمّ إلقاء بذورها في عقول العوام علّها تلاقي الحياة، إذّ إنّ الإنترنت بشكل عام، ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت المنبر الأوّل، لنشر الأفكار حسنها وقبيحها.

اللافت للنظر في هذه القضية، أنّ الافكار المتهافتة، قد تلاقي رواجًا كبيرًا، لشدّة حسن عرضها من قبل أصحابها، وللكمّ الهائل من الطلاء والزواق المضفى عليها، والذي يظهرها بصورةٍ وديعةٍ جميلة، وفي الحقيقة، فإنّ العملية بأسرها أشبه بدس السمّ في العسل!

أمّا الأفكار السامقة الرفيعة، قد تكسد، لسوء عرضها من قِبل أصحابها، أوّ بسبب الهجمات الشرسة المنظمة التي يشنها أعداؤها لمحاولة إظهارها بصورةٍ دميمة الوجه قبيحة المنظر، أو لعدم قدرة أصحابها على الدفاع عنّها، وتحمّل تكاليفها، ومنحها مقوّمات الحياة والاستمرار.

علينا أنّ نتفق، أنّ المتلقي للمعلومة هو في الغالب من العوام، وليس من أهلِ الاختصاص، ولذلك فمن السهل أنّ يُضلل ليكون فريسة سهلة سقطت في مصيدة الخداع الفكري، إذّ إنّ المتلقي إذا لم يكن لديه أرضية معلوماتية سابقة في علم معين، فإنّه من السهل أن يعتقد أنّ ما يقرأ أو ما يسمع أو ما يشاهد إلهيًا لا يحتمل الخطأ، ومن ثمّ اعتناقه، بل الدفاع عنه باستماتة، حتّى وإن كان يعتريه الخطأ والتضليل.

ولا يمكننا ها هنا أنّ نحصر القضية في جهل الملتقي، إذّ إنّه من الممكن أنّ يكون على علم واطّلاع مسبق، لكنّ تركيبته النفسية، تشكل أرضية خصبة لاستقبال مثل هذه الأفكار، أوّ لشدة انحرافه وزيغه وضعف تكوينه الإيماني، قد يكون مستعدًا للتلقي أيضًا، بل تجده يصغي بسمعه متلهفًا، وباحثًا متعطشًا عن الشبهات الطاعنة حتّى في المسلمّات، وكم رأينا من الملاحدة، من يناقش في قضايا بديهية، لا تحتمل النقاش من الأصل، أوّ تراه يقرأ عن قضيةٍ معينة، دون أن يقرأ عنها من مصدرٍ آخر، متبعًا بذلك هواه، مبتعدًا عن الإنصاف، راكلًا للمنطقية بقدميه بعيدًا.. وكافرًا بنعمة العقل التي وهبها له الخلّاق.

على الجانب الآخر، ليس شرطًا أنّ يكون المتلقي مخدوعًا، أوّ منحرفًا، أو مستهدفًا حتّى، وإنّما قد يعاني من عقدةٍ نفسية أدّت به إلى منحرفٍ خطير، وعاقبة وخيمة، وخطرُ هؤلاء لا يقلّ عمّن سبق ذكرهم، إنّ لم يكونوا أخطرهم.

فمن أشدّ ما يزهق الروح ويقّطع الأمعاء، اولئك المراهقين المتكبرين الجهلة، الذين يخدعون أنفسهم بأنفسهم، إذ إنّك تجد البعض منهم، أتمّ قراءة كتابين، وبضع مقالات، ثمّ أصبح يرى نفسه من ساسة الفكر، ولك في أطفال الفقه مثال، إذ إنّ الواحد من هؤلاء لا يساوي مقدار قطرة ماءٍ من بحر هذا العلم الخضّم الفسيح، أو ذرّة غبارٍ على أديم هذا الطريق اللانهائي الطويل، ثمّ تجدّه خرج على الخلائق بلحيةٍ وبنصف ساق وأصبح يفتي، ويكّفر، ويخرج الخلائق من الملّة، ويردّ اجتهادات علماء لهم باعٌ طويل في هذا المجال، ويتطاول عليهم، والله المستعان.

ما العمل إذًا؟

ينبغي على المتلقي أنّ ينزع القدسية والإلهية عن كلّ ما يقرأ أو يسمع أو يشاهد، إذّ إنّه من الممكن أنّ يكون ضربًا من الأخطاء والمغالطات، ليس إلّا.

ينبغي على المتلقي أنّ يتلقى كناقد، لا يقبل أيّ شيء، ولا يردّ أيّ شيء، قبل تمحيص وتدقيق.

ينبغي على المتلقي أنّ يسأل أهل العلم والاختصاص الثقات في أيّ قضيّة يستشكلها، وليس في ذلك عار أوّ نقص.

ينبغي على القارئ أنّ يتواضع، وأنّ يعرف قدره جيدًا، وعليه أنّ يدرّب نفسه على سعة الصدر، واستقبال الأفكار الأخرى واعتناقها، إذا كانت الحجة مدعومة بالحجة القاطعة.

إنّ الواحد منّا، إنّ خُدع في سلعة ثمنها زهيد، يتمعر وجهه غيظًا وحنقًا، فكيف إنّ خُدع في فكره؟