أرى أن جميع البشر مُنذ بداية تواجد الإنسان على الأرض يحلمون، ويتمنون تحقيق أحلامهم، منهم من يستطيع تحقيقها، ومنهم من لا يستطيع، ومنهم من لا يقدر في التفكير أنه يستطيع تحقيقها من الأساس، إذًا تتعد أوجه النظر في التوجه نحو الأحلام وتحقيقها، وتتباين أساليب وخطوات القيام بها تبعًا لذلك.

أرى أنه ما دُمنا نحلم، إذًا نستطيع تحقيقه، لكن بالطبع تواجهنا العديد من الصعوبات العِظام – في سبيل القيام بذلك الأمر – من أهمها ظروفنا، فكثيرًا منّا يظن أن ظروفه هي التي تتحكم فيه، وقلة من الناس يؤمن بالعكس – أي بأنه هو المُتحكم فيها بل هو صانعها – فالأول ينظُر إلى الحياة بالجانب التشاؤمي الكلي، أمّا الثاني فينظُر إلي الحياة بالاحتمالية، حيثُ إن الحياة تحمل طابع الأمل كما تحمل جانب اليأس، وأنا لا أقول إن الحياة مفعمة بروح الأمل، ولكن نقطة أمل في بحر يأس تكفيني لأحيا ولأعيش على رجاءٍ في الغد.

أهم شيء يُساعدك في استيعاب ما ذكرته سابقًا، هو وجود دافع حقيقي وقوي، فعلي سبيل المثال والتوضيح، أتذكر حينما كنتُ صغيرًا، وفي أيام شهر رمضان، كنتُ أنتظر وقت ضرب المدفع، ليس ضجرًا من الصيام، أو جوعًا أو عطشًا، بل لأذهب وأجلس أمام التلفاز؛ لأشاهد (عالم سمسم) أو (بكار)، إذًا فأنا كنتُ أنتظر – أي على أمل في مجيء ساعة الإفطار – لكي أشاهد هذين البرنامجين، وكان الدافع الذي يجعلني أنتظر وأصبر هو المشاهدة، فهذا الدافع هو ما جعلني أتريث وأتمهل ولا أتضجر.

يجب على كل إنسان البحث عن برنامج فيه (دافع له)، وحينما يجده حقًا، سيعلم أن نقطة أمل في بحر يأس تكفيه هو أيضًا، لنعلم أن الحياة ليست بمعطاءة، إنها لا تسعى لجعلنا سُعداء، نحنُ مَن نسعى لذلك، فعلينا فهم هذه النُقطة وبوضوح، إنها لن تنتظرك إن تأخرت عليها، إنها لن تمحنك فُرصة أخرى إن ضيعت الفُرصة الأولى، وعلينا أن نفهم أيضًا أنها ليست بجبارة، تقسو علينا وتحرمنا مما نتمنى ونحلم به، بل هي مُجرد مُشاهد، ينظُر إلى البشر، فإن رأى فُلانا يعمل بجدٍ واجتهاد، فسوف يُكافئه، وإن رأى فُلان يتقاعس ويتخاذل عن العمل، فسوف يخذله أيضًا، هذا هو العدل في وجهة نظري، أن لا يتساوي المُتفوق المُجتهد مع الكسول المُتقاعس.

كل يوم نصحو فيه، يصحو معنا حلمنا، ومنا من يبقي مستقيظًا، ومنا من لم يتأكد إذا كانت صحوته تلك حقيقة أم مجرد خيال عبثي، رسمه في مخيلته ويأمل أن يصبح واقعًا، يراه بعينيه وهو يتحقق أمامه خطوة خطوة، والنوع الأول يجد لذة مشوبة بغموضٍ، تُثيره لعدم النوم أو الغفلة، والنوع الثاني يجد أيضًا لذة، لكنها مشوبة بقلقٍ من تبخُر الحلم في غمضة عين.

سألت نفسي ذات مرة، هل الحلم إذا لم يتحقق يوبق صاحبه؟ وبقيت لأسابيع أفكر في إجابة منطقية ترضيني، ومر الأسبوع الأول، ومر الأسبوع الثاني، وإذ بمساء اليوم السادس أفاجأ بأن يدي تلتقط ورقة بيضاء رثة ملقاة بجانبي وقلما؛ لتكتب الآتي: (لا يهم أبدًا إن كان الحلم صعبًا، لا يهم أبدًا إن كانت الأسباب غائبةً، لا يهم أبدًا ألا يتحقق الحلم الآن، لكنه عاجلًا أم آجلًا سوف يتحقق يومًا ما، إنه من المحال أن يعتقد أحدهم أن الحلم يُهلك صاحبه، مهما كانت صعوبة تحقيقه فعليًا).

وبعد أن تركت القلم من يدي كأنني صُعِقتُ من تيار كهربائي، بدأت في استعادة الوعي والإدراك، وكأنني كنت في عالم غير هذا العالم – على الرغم من أنني وجدت نفسي على سريري، أي لم أذهب إلى مكان آخر – اقتنعت في نهاية الأمر أنني قد رحلت بروحي وعقلي، وبقيت بجسدي حاضرًا.

وإلى اللقاء.. في الجزء الثاني