تعيش القضية الفلسطينية في هذه الفترة العصيبة والمرحلة الدقيقة الكثير من التكهنات بشأن مستقبلها السياسي والمكاني بعد الحديث عن صفقة القرن التي يعدها صهر الرئيس الأمريكي كوشنير الصهيوني والمشبع بفكر الدولة اليهودية، في الوقت الذي يحاط فيه ترامب بالصهاينة ومشاريعهم التي تستهدف الوجود الفلسطيني.

أما الفلسطينيون أنفسهم فيعيشون أسوأ فترة حيث الانقسام الذي أنهك الساحة السياسية الفلسطينية، وترتب عليه أوضاع معيشية صعبة للغاية في قطاع غزة الذي خاض ثلاث حروب تحت وطأة وشدة حصار اقتصادي خانق، وكلل عباس هذا الحصار بفرضه إجراءات وصفت بالعقابية والشديدة بدافع الانتقام من غزة وإخضاعها لسيطرته بالقوة، وبالتالي تمكينه من تنفيذ أجندة المجتمع الدولي وإنهاء مشروع المقاومة الفلسطينية التي تعمل من أجل دحر الاحتلال عن كامل أرض فلسطين.

عباس الذي كان إحدى الركائز الأساسية في اتفاقية أوسلو والتي يسميها بعض الساسة والمحللين باتفاقية بيع القضية الفلسطينية، والتي تمخض عنها بسط سيطرة كاملة للاحتلال على أرض فلسطين بشرعية قانونية ودولية قدمت له من منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، التي باعت الوهم للناس بقيام الدولة والتي لم يحصلوا في وقتها على أدنى مقومات الدولة ألا وهي السيادة، كانت أوسلو ذات فائدة عظيمة للصهاينة، جنى من خلالها الاحتلال بناء المزيد من المستوطنات والتهامًا لأراضي الضفة الغربية، وأخمدت المقاومة بكل صورها وبات هناك أجهزة أمنية تابعة للسلطة تحمي الاحتلال والمستوطنين من خلال التنسيق الأمني  والتعاون الكامل.

مات رئيس السلطة ياسر عرفات ليخلفه محمود عباس مكملًا جولات المفاوضات التي كانت مجرد إضاعة للوقت وفرض مزيد من التطبيع، حيث كان عباس وما زال يؤمن بوهم السلام مع الإسرائيليين والوصول لحل الدولتين، وعمل منذ اليوم الأول على اقتلاع أي  وجود للمقاومة في الضفة الغربية، وقام بتسليمهم للاحتلال، وحارب أي وجود لحركة حماس التي تعيق من وجهة نظره تقدمه في المقاومة السياسية للاحتلال، حتى آلت الضفة الغربية لما هي عليه اليوم.

استمر عباس في مرافقته للوهم ومن فشل لفشل في الأوساط الدولية حتى بات بلا ثقل أو وزن سياسي، وطمس فكره وسياساته في التبعية لإسرائيل، عباس الذي انتظر منه كل فلسطيني وعربي ومسلم أن يتخذ خطوة جريئة إبان إعلان ترامب بحق القدس، ولكن دون فائدة خرج كعادته بخطابات بالية لا تشكل أي مسؤولية حقيقية تجاه القدس وقضية فلسطين، وكان آخرها في المجلس الوطني حيث لم يأتِ بأي جديد سوى بعض القرارات المكررة والتي لم تنفذ على أرض الواقع.

ماذا ينتظر القائمون على السلطة فهي لم تعد حتى بالمفاهيم التي كانوا يستندون عليها قائمة، ولماذا السعي لإيجاد بديل عن الوسيط الأمريكي في مشروع التسوية – الساقط وطنيًا – سواء من الأوروبيين والعرب، وترك الحاضنة الشعبية وقوى المقاومة والعمل الوطني وهي التي تملك القوة والتأثير لرفع الإمكانيات السياسية للسلطة.

إنه من غير المعقول والمنطق أن تعود للمسار ذاته بعد أن أثبت فشله، والسلطة ببحثها عن وسيط هي تتبنى الطريق المسدود ذاته الذي بدأ بأوسلو، وماذا جنى الشعب الفلسطيني منها سوى فساد لمن قاموا عليها ونهب لمقدرات الشعب، وأما الاحتلال فهو سعيد بحراسة الأجهزة الأمنية له، وإحباط أي مظهر من مظاهر المقاومة.

ربما للأسف الواقع العربي أيضًا لا يساعد في هذه الفترة التي اختلطت فيها الأوراق، وبرزت في الساحة العربية تيارات قائمة على مصالح أفرادها من أجل تثبيت مكانهم في الحكم والمعاداة التامة للتيارات الإسلامية الإصلاحية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، أضعف من قوة المقاومة التي بات يحاربها قادة الانقلاب على الثورات العربية بالإضافة إلى العدو الصهيوني، ومحاولة تجفيف كل المنابع الداعمة لها، وعدم الاكتفاء بذلك بل الزج بها في مرمى الإرهاب ومحاولة إحداث خلل في المجتمعات العربية، أضف لهم عباس والسلطة الذين يشترطون الشروط وفي مقدمتها نزع سلاح المقاومة.

وأشد المتفائلين اليوم لا يرى في عباس أي جديد أو تغيير يكون ملموسًا على أرض الواقع، ولكن ماذا ستفعل السلطة إزاء الممارسات الأمريكية والإسرائيلية بحقها؟ الجواب بسيط حيث سيجتمع عباس بأعضاء المجلس الوطني واللجنة المركزية أصغرهم عمرًا أكبر من نكبة فلسطين، لينظروا ماذا هم فاعلون!