منذ ثلاثة أعوام وفي بداية التحاقي بالجامعة بالقاهرة – القاهرة لقلوبنا وعقولنا – ربما لم أمتلك حينها حماسة أقراني في بداية الأمر، لعلها الثانوية وما تُحطمه بنا من جهود وقدرة على الحُلم – مرةً أخرى – حد السماء لعلني أُصِبت بالركود خصيصًا بعد ما أدركه عقلي بأن الملحمة لم تنتهي وأن كوني طبيبة مستقبلية يستدعي مجهودًا فوق الذي بُذل أضعافًا مُضاعفة كنت أتمني لو أنه من الممكن أن أقتطع عامًا كاملًا أجمع فيه أغراضي وأرتحل كثيرًا ألتقي بأشخاصٍ جُدد لا نتحدث عن العلوم وأمور الدراسة، وإنما عن الحياة الضحك الجبال الأنهار السهول كل أجزاء الطبيعة والدين دونمًا التطرق إلى الدراسة والبحث والتدقيق، لكنه الحال سيدي لا مجال للهزل الأطباء لا مجال لهم النساء لا مجال لهم المصريون لا مجال لهم.

أذكر جيدًا تلك الحقبة في اليوم الأول تملكتني حالة شغفٍ بعض الشيء، لكن سُرعان ما احتال الأمر إلى كابوس لا ينتهي، ولم ينته حد اللحظة، لكني أذكر وجوه البعض، أذكر حماستهم، بعضهم لا يزالون كما هم حد اللحظة – بارك الله لهم – والبعض الآخر فقدوا رونقهم سريعًا، والبعض الآخر في المنتصف.

في كل زاوية تُحيط بنا نجد ذاك الشخص الضاحك الباسم الذي يُشع شيئًا جميلًا دائمًا في الأُفق دونمًا أن تفهم لماذا هو هكذا وحسب، بعضهم يمتلك تلك الخِفة والأُلفة التي تجذبك وأنت الذي لا يجذبك شيء واحد.

أذكر أحدهم كان يمتلك تلك الخِصال وأكثر بكثير لا يحتاج الأمر تعمقًا لترى بعض أشياءٍ كهذه تتجلى في الأفق، كان يمتلك تلك الروح البديعة لم أجد أحدهم في حاجة إلا وقضاها له أو لها لم يتوان يومًا عن عون الآخرين – حد علمي- كثير التبسم والتحدث يخلق بدلًا عن الحديث الواحد ألف حديث روح مرحة بعض الشيء – تُزعج أمثالي – واستمر الحال قرابة عامٍ كامل ومن ثَمّ حدث ما لم يُحمد عقباه.

كانت المصادفة أن يُحكى لي أجزاءً من القصة التي استطعت دون وِشاية أحدهم أن أتوقع حدوثها.

كان الأمر أن صاحبنا هناك تعلق بإحداهن وظن أن أقرب الطرق أن يسألها صراحةً منتظرًا موافقةً منها وإن كان فإنه سيتجه مباشرةً لخاصته ليُخبرهم برغبته في فتاتنا المنشودة، وكانت المصارحة، ومن ثم الرفض الشديد من طبيبتنا المرموقة لكنها لم تتلطف بصاحبنا، فيبدو أن حديثهما كان قاسيًا للغاية، بالرغم من أني أُُعطيها بعض الحق، فهذا الزمان يُحصي ذكورًا بقدر زبد البحر، لكنه لم يَعُد يحوي الكثير من الرجال.

لا أعلم ما الذي قِيل له تفصيلا، لكني رأيت وقعه عليه لعام ويمتد حد اللحظة.

صاحبنا تغيب عن كل دروسه صاحبنا لم يعد يهتم لأحدهم لم يعد يَمِد يد العون تبلد في كل شيء حد أنه ترك صحبته السابقة أصبح يجلس في آخر الصف أكثر النِكات إضحاكًا – حد أني أضحك إثرها – هذه النِكات لا تدفعه للتبسم حتى!

لعام وأكثر رأيت أحدهم يذبل من شدة العشق لعله صدقها ولم يكذبها لعله لم يألف مخرجًا مما هو فيه الآن.

كوني دائمًا أختلس النظر للآخرين وأُحاول رؤية خفايا نفوسهم وقلوبهم التي تحتاج مني نظرةً واحدةً لرؤية الكامن في هذه النفس – بعض الكامن – هذا ما يجعل مُلاحظتي لما حدث في الزحام سهلًا ويسيرًا لم ألحظه وحسب لاحظت آخرين ولكل منهم قصة تمتد ربما رأيت دواخل البعض منهم رغم انعدام الوصل بيني وبين أكثرهم، لكني هكذا دوما ألحظ الآخرين وإن لم يُلاحظوا حضوري.

أذكر أني خصيصًا هذا في العام المُنصرم رأيتني أذوب خلف الاهتمام والكلم الطيب لكني مؤخرًا ضِقت ذرعًا من هذا وأحاول ترك هذا خلفي.

بمرور الأعوام رأيت أشخاصًا كُثر باختلاف أجناسهم ديانتهم أشكالهم خِصالهم باختلاف كل شيء الجميع – أغلب الجمع – يَهيم خلف الاهتمام الحب أن يصير مرعوبًا فيه بين الجميع أيما يذهب أيما يملك أيما يكون.

وجدت مؤخرًا في إحدى المواقع الخاصة بالأبحاث النفسية اختبارًا ترجمته الحرفية (العلاقات السامة).

هي هكذا بالفعل.. علاقات سامة.

علاقات تأخذ حيزًا من حياتنا تقتطع من أرواحنا وأنفسنا تأخذ مُتسعًا ضخمًا مِنا نذوب فيها كما تذوب الدهون في الأحماض لا تترك منا أثرًا كحمض الهيدروكلوريك يملك أثرًا حارقًا كاويًا يُزيل المادة تمامًا لا يترك منها من شيء.

علاقات كهذه نُعطي فيها دونا أن نأخذ نُعطي حُبًا وإخلاصًا صِدقًا وأمنًا ومن ثَمّ نجد جفاءً قسوة مفرطة جمود في الشعور حد أنه يُصيب قلوبنا ونصبح صرعى له.

هذه العلاقات ليست سامة وحسب السم ينتهي أثره بموت صاحبه، لكن نحن لا نموتو إنما نظل في هذه الأرضين ننقل الداء بالتعاقب والتتابع بيننا وتتسع الدائرة حد أنها اليوم لم يعد لها من مخرج من دون الله.

لرُبما الحق أن يترك صاحبنا قلبه وراءه ويفهم جيدًا أن القلوب تهوى ما تريد وحسب دون مُبرر وتفسير واجب وأن يترك نفسه للرحيم وحده القادر على موازنة رأسه ونفسه مرة أخرى، ولرُبما الحق أن أتوقف أنا الآخرى عن انتظار الجميع على حافة كل الطرق الممكنة واللاممكنة، وأن أتوقف عن اللهث خلف كلمة طيبة أو فعل طيب لعل هذا يُخفف عني هلعي وكثرة ظني وتَفَكُري.

الحق أن نحفظ شعورنا أيما يكن لأشخاصه المناسبين، وليس العابرين سريعا تاركي أثارهم في حيواتنا تاركي ألم رحيلهم وحسب.

الحق أن تعلم أنك تستحق أن يتوقف شخص واحد على الأقل ويغير عالمك الصغير لأجلك أيما يكن صديقًا أو من الأهل أو نصفًا آخرًا.

الحق أن لا تُصعِر خدك للناس وأن تحفظ قلبك وما فيه ولا تُؤذِه بين جموع الخلق التي لا تُعطي لقلبك ولا لعقلك وكيانك من الأمر مجالًا يكفيك.

الحق أن تهون عليك، فالجميع إلى الزوال، والله وحده الباقي، الله وحده الحق.