نجا نظام الرئيس السوداني، عمر البشير، من حروبٍ أهليةٍ سبقت وجوده، وتكاثرت بعده، ولم تزل مشتعلة، ومن عزلةٍ دولية وإقليمية غير مسبوقة ولا ملحوقة، ومن انقلاب عرّابه وكثيرين من أخلص مناصريه عليه.

من كثرة ما صاح الناس “هجم الذئب” لم يعد العالم يحفل بمن يعلنون قرب سقوط نظام عمر البشير في الخرطوم. فقد نجا هذا النظام من حروبٍ أهليةٍ سبقت وجوده، وتكاثرت بعده، ولم تزل مشتعلة، ومن عزلةٍ دولية وإقليمية غير مسبوقة ولا ملحوقة، ومن انقلاب عرّابه وكثيرين من أخلص مناصريه عليه. وقد كان النظام مرشحاً لاجتياح ربيعي قبل مصر وتونس، لأن شهر يناير/ كانون الثاني 2011 صادف كارثة استفتاء انفصال الجنوب. وقد دعا الناشطون إلى مظاهرات في آخر ذلك الشهر، وكان كثيرون يتوقعون أن يسقط النظام تحت وقع هذه الجائحة، خصوصا مع توعد جهات كثيرة النظام بالخروج عليه، إذا فشل في الحفاظ على الوحدة. ولكن كما هو معروف، لا يزال النظام قائماً ويتمدد، كما كان هتافة المرحوم داعش يكرّرون.
ولكن ما يذكر في قصة “هجم الذئب” أن الذئب هجم بالفعل ذات يوم، غير أن التجربة جعلت القوم يغفلون عمداً عن صيحات النذير الذي فقد مصداقيته، فوقعت الواقعة. فهل هذه تلك في السودان اليوم؟
هناك مسألتان ليس من الصعب تقريرهما. أولاهما أن التحدّي الذي يواجهه النظام السوداني 
“دور الفئات المسلحة، بما فيها الموالية للنظام لا يمكن أن يكون خارج الحساب تماماً”

حالياً غير مسبوق، حتى بمقاييسه هو وبخبرته. فالغضب الشعبي وجرأة الناس على التظاهر تذكّر بفترات حاسمة سابقة في تاريخ البلاد. وفي المقابل، رصيد النظام من الأنصار الخلص هو اليوم أقل مما كان عليه في أي وقت مضى. وقد ظل النظام يستفيد في مرّات سابقة من رصيد “الدعم السلبي”، أي من الأغلبية الصامتة التي تخشى من يسعون إلى تغيير النظام أكثر مما تخشى بقاءه. ويعود هذا بالأساس إلى استمرار النزاعات المسلحة، وكثرة فصائل المتمردين وما شاع من ممارساتها. وقد تعمّق هذا الإحساس في هبّات سابقة، مثل احتجاجات 2013 التي جرى فيها حرق الممتلكات العامة والخاصة، وخشي الناس أن يعم الخراب استمرّت، فانسحب منها، أو أحجم، كثيرون ممن كانوا قبل ذلك على استعداد للمشاركة. لهذا دعا إمام الأنصار السيد الصادق المهدي الحركات المسلحة إلى الإسراع بإعلان وقف العمل المسلح، والانحياز للعمل المدني، حتى يضمن ذلك نجاحه.
ولكن هذا يقود تحديداً إلى النقطة الثانية، هي أن النزاعات المسلحة ليست سوى عرض لمرض، وهو الاستقطاب الحاد في المجتمع السوداني. فالخروج المسلح نتج من صم الآذان عن سماع أصوات الآخرين. فمعارضون كثيرون حاليون كانوا جزءاً من النظام، وبعضهم كانوا قادة كبارا فيه. وقد ظلت حركات مسلحة تلتحق بالنظام، كما حدث في بعض فصائل الحركة الشعبية في عام 1996، وبعض حركات دارفور في 2006 ثم في 2011. ولكن كثيرين من هؤلاء عادوا إلى حمل السلاح، وانضم إليهم غيرهم ممن لم يحمل السلاح من قبل.
وفي هذه الحال، فإن المظاهرات السلمية إذا تحولت إلى “حرب سلمية” بين فصيلين يفتقدان الرابط المشترك، ستتحول إلى حرب أهلية. وقد وقع هذا في ثلاث من دول الربيع العربي (مصر وسورية وليبيا)، ولم يمنعه من الحدوث في تونس التي تشهد هذه الأيام احتجاجات متزامنة ومتشابهة مع الحالة السودانية، إلا حكمة قطاع مهم من قادتها، فالثورة السلمية لا تثبت على سلميتها وتتحول إلى انتقال سلس إلى وضع ديمقراطي، ما لم يكن هناك توافق بين غالبية القوى الفاعلة في المجتمع على قضاياه الحيوية، وتطمينات متبادلة حول وضع كل طرف في مستقبل البلاد. فإذا كانت بعض قطاعات الشعب قامت بثوراتٍ لمجرد أنها أهملت، فكيف تقبل أخرى بوضعٍ تعرف فيه أنها لن تُقصى فقط، بل ستكون مستهدفة؟
في هذا المقام، يمكن أن يقال إن الوضع الحالي خطير جداً، ويبشر بتصاعد الاحتجاجات وزيادة حدتها. فالمصاعب الاقتصادية مست الغالبية، بمن فيهم مؤيدو النظام. وفوق ذلك، تتلاشى

“الاحتجاجات إذا تصاعدت بحجم كبير، واضطر النظام إلى حشد قطاعاته المسلحة لحسمها، سوف تخلو الساحة تماماً لحملة السلاح كما حدث الأمر في سورية”

 الآمال في تحسن الأوضاع أو التغيير السلمي، بعد أن رفض النظام الانخراط بجدية في حوار كان هو الداعي إليه، ويصر على عدم تغيير قياداته حتى في عام 2020، على الرغم من وعود سابقة. وما يزال النظام يتعامل مع منتقديه وضحاياه بعنجهية واحتقار. فهو لا يعد الجماهير بتحسين الأوضاع وتغيير النهج، بل يقدم من قياداته من يتوعد ويستفز الجموع الصابرة.
ولكن تصاعد الاحتجاجات لن يؤدي بالضرورة إلى سقوط النظام، بل الأرجح ألا يفعل. وإذا أدى فسيكون ذلك بعد عنفٍ مكلف، وربما كلفة في وحدة البلاد. وعليه، هناك احتمال أن نشهد النموذج الإيراني، كما حدث في 2013، حين يصعّد النظام العنف إلى درجة كبيرة، فيقمع الاحتجاجات. ولكن من غير المستبعد أن نشهد شيئاً من النموذج السوري، لأن حجم الغضب والإصرار على المواجهة هذه المرة كبير، وبعض أدوات النظام المستخدمة في القمع، من مليشيات معروفة، ليست ممن يتسم بالاتزان ومراعاة التناسب.
من هنا، فإن دور الفئات المسلحة، بما فيها الموالية للنظام، لا يمكن أن يكون خارج الحساب تماماً. لأن الاحتجاجات إذا تصاعدت بحجم كبير، واضطر النظام إلى حشد قطاعاته المسلحة لحسمها، سوف تخلو الساحة تماماً لحملة السلاح كما حدث الأمر في سورية، وقبل ذلك بصورة ما في كل من مصر وتونس. وعندها يصعب التنبؤ بما سيفعل هؤلاء. ونتمنى أن يكون النظام من التعقل، بحيث لا يوصل البلاد إلى تلك المرحلة، وأن يسارع بمبادرات تجنب البلاد والعباد الخراب.