الحكم الحالي في مصر عسكري فجّ، أسوأ من عهد حسني مبارك الذي كان يحاول التظاهر ببعض الليبرالية، لامتصاص الضغوط الغربية، فالمشاركة في هذه الانتخابات يعتبرها بعضهم مشاركة في مسرحية هزلية، لإعطاء شرعية لهذا النظام.

منذ انتخابات الرئاسة المصرية عام 2005، وأنا لا أميل إلى المقاطعة سلاحا في وجه النظام، أو وسيلة لإبطال الانتخابات، فالانتخابات الرئاسية التي يتم التجهيز لإجرائها في مصر لا تختلف كثيرا عن انتخابات 2005، إن لم تكن أسوأ وأكثر فجاجة، فكلتاهما مسرحية هزلية، إذ منذ العهد الناصري، كان الدستور ينص على الاستفتاء على رئيس الجمهورية، وكانت العادة العربية منذ ذلك الوقت أن تكون نتيجة الاستفتاء هي 99,99%. ولكن في عام 2005، وبعد الضغوط الدولية، والحرب على العراق، كانت هناك حاجة لامتصاص تلك الضغوط، وإجراء تغييرات شكلية في الدستور، تسمح بالتحول الصوري نحو الانتخابات المحكومة والمعدة سلفا التي لا تختلف، في جوهرها، عن الاستفتاءات العربية.
دعت حركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير)، ذات الأغلبية من اليساريين والناصريين، في عام 2005، إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، لكن حسني مبارك فاز في الانتخابات، ولم يشعر أحد بدعوة المقاطعة. كنت في ذلك الوقت عضوا بحركة كفاية، وأشارك في تنظيم التظاهرات شبه اليومية، وكنت عضوا في حزب الغد الليبرالي الداعم للمرشح الرئاسي، أيمن نور، وأستطيع أن أجزم بأنه لم يشعر أحد وقتها بالدعوة إلى مقاطعة مسرحية الانتخابات، فليس هناك نصاب قانوني لنسبة الحضور، كما أن المقاطعة لم تفضح النظام الذي لا يستحي من ارتكاب أي انتهاكاتٍ ثم تبريرها، ولم تنتقص المقاطعة من شرعية مبارك دوليا، فالولايات المتحدة والحكومات الغربية لا يعنيها سوى بعض الإجراءات الليبرالية الشكلية، حتى تستمر العلاقات والمعونات والقروض. لكن على الرغم من هزلية الانتخابات، كانت هناك حملة انتخابية للمرشح أيمن نور استطاعت استغلال القانون المعطوب، والذهاب إلى كل أنحاء مصر والأماكن البعيدة عن الضجة والإعلام، ومهاجمة مبارك، وتفنيد أكاذيبه، والتشكيك في كل إنجازاته الوهمية.
بالطبع، كانت معركة خاسرة لأيمن نور، كما تم التنكيل به، والحكم بسجنه خمس سنوات بعد 
“الانتخابات الرئاسية الحالية هي الأسوأ، فلا توجد ضمانات نهائياً، ولا رقابة محلية ولا دولية”

ذلك، ولكن تلك المجازفة أدت إلى انضمام قطاعات أخرى لمعركة التغيير، وأدت إلى ظهور كوادر جديدة في العمل السياسي والحزبي المنظم، وليس الاكتفاء بالنشاط الاحتجاجي. وأيضا لم تجدِ المقاطعة غير المنظمة في تعرية وفضح النظام المفضوح بطبعه، ولم تؤدِ المقاطعة إلى إسقاط النظام، ولا لخروج الجماهير الغاضبة، ولا لسحب الاعتراف الدولي. ولكن يمكن ملاحظة أن ذلك الجدل في مصر بشأن المقاطعة والمشاركة لم يتوقف لحظة منذ الاستفتاء على تعديل الدستور في عام 2005، ودائما هناك دعاة للمشاركة، على الرغم من ظلم القوانين، وإمكانية استغلال تلك المسرحية، من أجل إعادة تنظيم الصفوف. ودائما هناك دعاة إلى المقاطعة، من أجل نزع الشرعية والفضح، وعدم المساهمة في شيء بدون جدوى. واللافت للنظر والمضحك أن المقاعد تتبادل بين معسكر المقاطعة والمشاركة، فكثيرون من دعاة المقاطعة في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، طوال تلك السنوات، هم دعاة المشاركة اليوم، وكان مشاركون كثيرون في الانتخابات البرلمانية والرئاسية اليوم من دعاة المقاطعة سابقا.
بالتأكيد الانتخابات الرئاسية الحالية هي الأسوأ، فلا ضمانات نهائياً، ولا رقابة محلية ولا دولية.. بالإضافة إلى قانون الطوارئ، وإغلاق المجال العام، وكل ما نعلمه ونعاني منه من اعتقالات وحبس في ظروف غير آدمية، وأحكام قضائية مسيّسة بالسجن سنوات طويلة لمجرد الاشتباه في أي نشاط معارض، كما أن الحكم الحالي عسكري فجّ، أسوأ من عهد مبارك الذي كان يحاول التظاهر ببعض الليبرالية، لامتصاص الضغوط الغربية، فالمشاركة في هذه الانتخابات يعتبرها بعضهم مشاركة في مسرحية هزلية، لإعطاء شرعية لهذا النظام، ولكن هذا الأمر غير صحيح، فالسيسي لا يحتاج تلك الانتخابات للحصول على شرعية، بل هناك ما تسمى شرعية الأمر الواقع، بالإضافة إلى صفقات السلاح التي تم استخدامها نوعا من أنواع الرشوة للعواصم الأوروبية، ولا نتجاهل أن العمليات الإرهابية التي تحدث في مصر تعطيه شرعية أكبر، فقد نجح في استغلال ذلك الملف، واستغلال الذعر من “داعش”، من أجل التسويق بأنه المحارب الأول للإرهاب في الشرق الأوسط.
يزعم بعضهم أن مَن جاء بانقلاب عسكري لن يرحل عن طريق صناديق الانتخاب، قد يكون جزء من تلك المقولة صحيحا، إذا كان يقصد بذلك أن من جاء بانقلاب عسكري لن يرحل عن طريق الصناديق “فقط”، فإزاحة الاستبداد تتطلب كل الوسائل والمحاولات، وقد تكون الانتخابات الصورية وسيلةً من أجل إعادة تنظيم الصفوف، أو باعتبارها وسيلةً لإعادة بثّ الأمل في القطاعات الشبابية التي أصابها الإحباط أو اليأس من التغيير، أو وسيلة للوصول إلى قطاعات أخرى من الشعب في القرى والنجوع، وفي أماكن جديدة عن أماكن تأثير اليسار المصري، وأين المشكلة في استخدام وسائل قانونية (مسارات باردة)، حتى إذا كان القانون ظالما، من أجل التراكم، والوصول إلى نقطة تحول تؤدي إلى تغيير جذري (مسارات ساخنة).
وإذا كانت كل الطرق السلمية مسدودة، والمجال كله تحت السيطرة، وغير مسموح بالاحتجاج، ولا بالتعبير، أو انتقاد الحكومة وسياساتها، وغير مسموح بحرية الحركة للمجتمع المدني، ولا العمل النقابي، فما المانع من المحاولة من خلال القوانين المعيبة والدساتير المعلبة؟ وإذا كان هناك من يرى الحل فقط في انتظار ثورة تعيد الشرعية إلى ما كانت عليه قبل 30 يونيو/ حزيران 2013، فهل ستأتي الثورة المقبلة فقط برفض الواقع وعدم الاعتراف به؟ هل ستأتي من خلال تخوين أي مجهود إصلاحي من داخل المنظومة، أو أي محاولات أخرى لحلحلة الوضع الحالي؟
لبعض الزملاء الرافضين للمشاركة في مسرحية الانتخابات ومحاولة استغلالها كل الحق في

“السيسي لا يحتاج تلك الانتخابات للحصول على شرعية، بل هناك ما تسمى شرعية الأمر الواقع”

 الرفض والسخرية، ولا أحد يحجر على آرائهم، حتى وإن كان فيها بعض التخوين للمختلفين معهم، ولكن هنالك تجارب كثيرة نجحت فيها المحاولات الإصلاحية واستغلال (المسارات الباردة) والقوانين المعيبة في بناء تراكم طويل المدى، أدّى إلى تغيير ثوري (مسار ساخن) مثل تجارب وسط أوروبا وشرقها، أو إلى بناء تيار وتحالف قوي، نجح في إزالة الحكم العسكري عن طريق الانتخابات والصندوق (مسارات باردة)، مثل تجربتي تشيلي وتركيا وتجارب أخرى بعد عشرات السنين من المحاولات والنضال، أو عن طريق التفاوض (مسارات باردة) بين القوى المدنية والعسكرية لاقتسام السلطة، بعد بناء قوى مدنية قوية استطاعت مناطحة القوى العسكرية، وفرض وجودها بديلا سياسيا سلميا.
ينتظر بعضهم قيام ثورة أخرى فجأة لتزيح هذا النظام، ولكن يكتفي بالانتظار، أو بالسخرية على الإنترنت. ويراهن آخرون، للأسف، على أن العنف والتفجيرات قد تؤدي إلى انهيار النظام أو حدوث انقسامات داخلية، أو إحراجه أمام العالم، وانفضاض القوى الدولية الداعمة. وهناك من ينتظر تغيرات دولية قد تسهم في تغيير التحالفات في المنطقة، ووقف الدعم الموجه إلى عبد الفتاح السيسي من دول الخليج. وهناك أيضا من يحاول استغلال كل الفرص، من أجل بعض الحلحلة، وإعادة تنظيم الصفوف، بدلا من ذلك الموات والسكون، فالثورات لا تهبط من السماء. والعنف لا يؤدي إلا لزيادة العنف المضاد وزيادة القبضة الأمنية، وإعطاء السيسي مزيدا من الشرعية، ولن تزيد المشاركة في مسرحية الانتخابات من شرعية السيسي التي أصبحت موجودة شئنا أم أبينا. ولن تقلل المقاطعة من شرعية الأمر الواقع وشرعية القوة والسلاح، ولن تسحب الاعتراف الدولي القائم على المصالح والأمر الواقع، ولن تؤدي إلى إحراج هذا النظام الذي لا يخجل من كل تلك الجرائم والانتهاكات والكذب والتدليس، ولن تؤدي المقاطعة كذلك إلى خروج ثورة الجياع وملايين المصريين الذين يتوافدون الآن على طوابير إصدار التوكيلات للسيسي في مقابل خمسين جنيها، والذين عندهم كامل الاستعداد للتصويت في الانتخابات، لمن يوزع عليهم الزيت والسكر والبطاطين في الشتاء.