أنت تحتاج إقناعاً لكل مواطن بأن يتجاوز خوفه أو سلبيته، يقتطع من وقته وجهده للذهاب إلى مقر الشهر العقاري، التعامل مع الموظفين، ثم تسليم التوكيل إلى مقر الحملة الوحيد أو أن يتواصل مع أحد المندوبين، وهذا يحمل إشكالات عديدة.

نظرية جديدة تنتشر حالياً بين العديد من دعاة مقاطعة الانتخابات الرئاسية في مصر، فبعدما تجاوزوا شعارات “إحراج النظام” و”صوره الدولية”، بعدما أدركوا أن العالم لن يتحرك بشكل فاعل أبداً، وهو الذي يدعم عبد الفتاح السيسي منذ 2014، على الرغم من أنه وقتها كان حديث عهد بمذبحة ميدان رابعة العدوية، وسجن رئيس منتخب، وانتخابات هزلية منح نفسه فيها الفوز بنسبة 98%، بعد ذلك، يرددون الآن أن جيلنا قد هُزم بالفعل. وفي نماذج تاريخية حين يُهزم الجيل لا يعود مرة أخرى. لذلك، علينا الانتظار حتى يأتي جيل آخر، هو من سيقوم بالثورة الجديدة. يتجاهل هذا المنطق العجيب أن الجيل الجديد لن يفعل شيئاً إذا تشكل وعيه وعالمه بيد السلطة، من دون أي وجود للمعارضة.
“أنا عندي 18 سنة، ينفع أعمل التوكيل؟”، بشكل متكرّر يصل هذا السؤال إلى العاملين في حملة خالد علي، وبشكل متكرّر يصل معه الأمل. أعداد كبيرة من الشباب بالفئة العمرية 18 – 21 كانوا أطفالاً وقت الثورة، ولم تنجح الحركات السياسية في التواصل معهم، لكنهم الآن يمارسون أول عمل سياسي بحياتهم.
لمحة أمل أخرى شهدناها في البيان الذي وقعته 53 شخصة لدعم خالد علي، حاملاً أول مرة منذ سنوات أسماء من طرفي النقيض، من معسكر “الشرعية” وأيضاً من معسكر داعمي الإطاحة العسكرية بمحمد مرسي. نشاهد سيف الدين عبد الفتاح، محمد سلطان، عبد الموجود الدرديري، جنباً إلى جنب مع أسماء حازم عبد العظيم، أحمد دراج، حمدي قشطة. لن يغير هذا من الخلاف والعداء بين الطرفين، لكنه على الأقل علامة على تراجع حدّته لصالح أولوية مقاومة من يسحق كليهما في الوقت نفسه.
في سباق محموم مع الزمن لجمع التوكيلات، تتشكل لجان، ويظهر متطوعون، تتغير قائمة مندوبي المحافظات يومياً بأسماء جديدة، ثم مسؤولي المناطق داخلها، تنشأ فروع للحملة في دول حول العالم. وهكذا في كل لحظة يتدرب شباب جدد بالطريقة العملية على العمل التنظيمي، ويظهر فرز تلقائي للقيادات الميدانية والمهارات الفردية.
حجم التحدي التنظيمي في جمع التوكيلات هائل، خصوصا لقدرات مُدمرة تماماً بفعل الضربات الأمنية والأخطاء الداخلية.
أنت هنا تحتاج إقناعاً لكل مواطن بأن يتجاوز خوفه أو سلبيته أو يأسه، يقتطع من وقته وجهده للذهاب إلى مقر الشهر العقاري، التعامل مع الموظفين، ثم تسليم التوكيل إلى مقر الحملة الوحيد أو أن يتواصل مع أحد المندوبين، وهذا يحمل إشكالات عديدة بشأن وصول أرقام المندوبين إلى الناس، وحول قدرات المندوبين في متابعة كل حالة تتعرض لمشاكل متنوعة.
على جانب آخر، يهلل أصحاب نظرية الانتظار في المنزل لكل علامةٍ على تغير داخلي في السلطة، وجديدها إقالة عبد الفتاح السيسي رئيس جهاز المخابرات العامة، وتعيين مساعده اللواء عباس كامل مشرفاً على الجهاز، في علامة على ضعف ثقته بكل رجال الجهاز، ينتظرون “انقلاباً على الانقلاب”، ويردّدون “من جاء بالدبابة لن يرحل بانتخابات”.
الإشكالية أنهم يتجاهلون تاريخنا القريب جداً، في 2011 حقق الجيش هدفه بمنع مشروع توريث جمال مبارك، وأعلن انحيازه للجماهير فقط بعد أن نزل الملايين إلى الشوارع، وهو المشهد الذي تم استنساخه في صورة ثورة مضادة في 2013. لم تأتِ الدبابة وحدها على طريقة انقلاب من يستيقظ مبكراً، بل جاءت محاطةً بملايين الشعب في الشوارع. إذا كنتم تعلقون آمالاً على أي طرفٍ في السلطة، فالمفارقة هنا أن دعمكم لتوسيع الخلاف بينهم هو تحديداً بالمشاركة، وهو ما ينطبق على انتظار دعم الخارج، لن يعبأ أحد إلا بمن يثبت حضوره، لا غيابه، فاعليته لا عجزه.
وفي النهاية، قد تحمل المشاركة جدوى، وقد لا تحمل، قد تفيد وقد لا تفيد، لا أحد يمكنه التأكد بشكل يقيني، لكن المؤكد يقيناً أن الانتظار في المنزل لا يفيد.