db1452b7-b52b-4261-b464-5308b5912144.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمد أحداد

هل الكاتب العام (الأمين العام) الحالي لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، وحده من أوصل الحزب الاشتراكي للقوات الشعبية المغربية إلى حالته الراهنة؟ وكيف يمكن لقيادة لم تكمل ولايتها بعد أن تحمل أوزار تاريخ طويل من الأخطاء؟

من مكر المصادفات أن تتزامن ذكرى رحيل الزعيم المغربي الكبير، عبد الرحيم بوعبيد، مع فوز حزبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمقعدين برلمانيين في الانتخابات التشريعية الجزئية، بمساعدة أحزاب كان يصفها إلى وقت قريب رفاق المناضل الراحل، المهدي بنبركة، بأنها أحزاب تنتمي إلى الإدارة، وتسعى إلى”هندسة الخريطة السياسية” وقتل السياسة.

حارب بوعبيد فكرة أن تكون الإدارة طرفاً في التدافع السياسي، وواجه الملك الحسن الثاني، ورجله في الداخلية إدريس البصري، في عز قوتهما، حينما أرادا محاصرة نفوذ اليسار باستعمال “العصا الغليظة” بإيجاد أحزاب جديدة، عبر تشجيع الترحال السياسي، وإغراق المشهد السياسي بفئة الأعيان.. كان مدافعاً شرساً عن “الاتحاد الاشتراكي ..”، ليس بالتصور الطوباوي الذي لا يقبل النقاش، ولكن رافضاً أن تتولى الأحزاب الإدارية التي تصنعها وزراة الداخلية تدبير الشأن السياسي، لأنها تفتح المجال أمام الفساد الانتخابي، وإيجاد هوة بين الشعب والدولة وفقدان الثقة في المؤسسات، لكن الحزب الذي قبل أن يكون شريكاً للدولة، أو بتعبير أكثر دقة شريكاً لـ”المخزن” يقبل اليوم أن يكون مسنوداً بحزب إداري، أسسه صهر الملك قبل عقود، كي لا يفقد فريقه البرلماني في مجلس النواب.

قال عبد الرحيم بوعبيد : “إذا كان الشعب يمثل قوة ما، فليس بإمكانه التنظيم بعفوية. يجب أن تقود الأطر، بالضرورة، كل عملية تطور، أطر منبثقة من الشعب يستطيعون فهم مشاكله، المحزن أننا نعاين، في هذا البلد، استقالة للأطر. هناك عناصر تتمتع بكفاءة عالية، لكنه يبدو للأسف كأنها استقالت بسبب هيمنة الذاتية والنزوعات المفرطة عليها” ثم ما يفتأ يضيف “كيف تريدون، في ظل مثل هذه الشروط، أن يتطور الشعب بمفرده، خاصة وهو يسجل أن بعض النخب، التي كان يؤمن بها سابقاً، قد أصبحت مجرد كراكيز عديمة الشكل لا همَّ لها سوى تحقيق امتيازات شخصية”.
أطروحة صدرت في الثمانينيات من القرن الماضي، أيام كان حزب الاتحاد الاشتراكي مشتلاً لاستنبات النخب التي تشكل بديلاً لتصور الدولة، أما اليوم فقد استحال “الاتحاد..” إلى مجرد حزب عادي يستقطب الأعيان، ويبحث عن تعزيز موقعه الانتخابي، حتى ولو دعت الضرورة إلى الاستعانة بوجوه ليست ذات صلة بمشروعه اليساري.
هل الكاتب العام (الأمين العام) الحالي للحزب، إدريس لشكر، وحده من أوصل الحزب إلى 

“متى كان شخصٌ واحدٌ، منذ قرر الجناح الثوري في حزب الاستقلال تأسيس حزب جديد، يختصر مسار حزب شُيّد على الجثث والدماء؟”

هذه الحالة؟ وكيف يمكن لقيادة لم تكمل ولايتها بعد أن تحمل أوزار تاريخ طويل من الأخطاء؟ وكيف يريد الاتحاديون أن يبنوا حزباً قوياً، ويصالحوه مع قواته الشعبية، وهم يمعنون في تمزيقه، وتخريب ما تبقى منه باسم الصراع مع إدريس لشكر؟ متى كان شخصٌ واحدٌ، منذ قرر الجناح الثوري في حزب الاستقلال تأسيس حزب جديد، يختصر مسار حزب شُيّد على الجثث والدماء؟ لنفترض أن القصة بدأت تحديداً بنهاية أشغال المؤتمر الوطني التاسع، وأن قوة “الاتحاد الاشتراكي” تفتت مباشرة بعد إعلان رسوب الراحل، أحمد الزايدي، في امتحان الكتابة الأولى: ماذا فعل تيار الديمقراطية والانفتاح لفضح “المذبحة الديمقراطية”؟
لم يحدث أي شيء من ذلك، وعدا تصريحات صحافية لأعضاء محسوبين على التيار، لم يكن هناك موقف سياسي واضح مما يجري، بل مبعث الغرابة أن القانون الداخلي لمجلس النواب كان يمنح الانتصار لأنصار الزايدي، بعدما عجز لشكر أن يجمع النصاب القانوني لبرلمانييه، لكن المتمردين اختاروا، في الأخير، بمحض إرادتهم هزيمة أنفسهم بأيديهم.
قالوا لحظتها، فيما يشبه التلميح، إن جهة ما تدخلت بقوة، كي تفرض من شاءت.. ثم رضخوا. ولم يخبرنا أحد عن طبيعة هذه الجهة التي باتت تتوفر على كل هذه القوة، لتفصل في أحزاب وطنية وتاريخية كبيرة، وتتوفر فوق ذلك على قوة خارقة قادرة على إقناع الطالبي العلمي (كان رئيساً لمجلس النواب) بخرق القانون، وعلى تغيير أمزجة البرلمانيين حد الخنوع.
وقبل ذلك، خلدت شخصيات اتحادية ذكرى اغتيال كل من عمر بنجلون والمهدي بن بركة، بعيداً عن أسوار “حزب المهدي”، الأمر الذي فهم بأنه نقطة اللاعودة، في محاولة رأب الصدع الذي يزداد هوة، كلما أمعن أبناؤه في التمزيق والهدم.. ألم يكن حريّاً بعبد الرحمن اليوسفي أن يقرأ الرسالة الملكية عن بن بركة باسم الاتحاد، لأن الذين اغتالوه فعلوا ذلك لأن قلبه كان ينبض جهة اليسار. لماذا حضر محمد اليازغي في ندوتي بنجلون وبن بركة، ولم يفكر، مجرد التفكير، أن يبحث عن مخرج لاحتضان أحداث ذات رمزية بالغة في بيت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فالذين ماتوا وواجهوا المخزن، واقتيدوا إلى الأقبية السرية، لم يكونوا بحاجة إلى مكاسب سياسية صغيرة، أو كانوا يلهثون وراء انتصاراتٍ وهمية، كما ترسخ ذلك إبّان حكومة التناوب (1998- 2002).
لشكر الذي أصبح دكتاتوراً في الحزب، هو ابن الاتحاد، وسليل دسائسه، ومن الطبيعي أن يكون المآل الحتمي لصراعات داخلية طاحنة واختيارات سياسية قاتلة، لأنّ الأحزاب كما الطبيعة تخشى الفراغ، أمّا المخزن فيحبُّ الامتلاء.

إعجاب تحميل...